“هتافات خرساء” الصمت والصراخ: قراءة في تشريح التناقض الاجتماعي والخطاب الزائف في النص السردي
“الصمت والصراخ” يشير إلى الثنائية المركزية في النص (صمت الراوي مقابل صرخة الصم والبكم).
“تشريح التناقض الاجتماعي” يعكس النقد اللاذع للازدواجية بين الشعارات والممارسات.
“الخطاب الزائف” يُبرز ثيمة النفاق التي يحاكمها النص (الهتاف للقضية مع انتهاك القيم).
الدراسة النقدية للنص
الفكرة الرئيسية:
تقدّم الفكرة الرئيسية للنصّ نقدًا اجتماعيًا، عبر رؤية نقدية لاذعة للمجتمع من خلال عيني راوٍ يتخفى خلف “نظارته السوداء”، فيكشف تناقضات الواقع وازدواجية الخطاب بين الشعارات الرنانة والممارسات اليومية.
الفكرة الأساسية تدور حول:
الانفصام بين المبادئ والواقع.
فالمسيرة التضامنية مع فلسطين تتحول إلى خلفيةٍ لفضائح أخلاقية /التحرش/، واستخفافٍ بالحقوق /تسلط السائق/، وانتهازيةٍ /المتحرش الذي يهتف للقضية بينما ينتهك حرمة امرأة/.
الصمت كرمز للخيانة:
يختار الراوي، رغم وعيه، الصمت، ممثلاً لثقافة اللامبالاة السائدة. فالنظارة السوداء تُحيل إلى عتمة الرؤية أو الهروب من المواجهة.
“اكتفيتُ، من وراء نظارتي السوداء، بأن أتابع ما يجري، وكأنه مجرد مشهد من فيلم سينمائي!!!”
الصم والبكم كاستعارة:
حيث يرمز وجودهم في طليعة المسيرة إلى أن “الخُرس” هم الوحيدون الذين يُعبّرون بحقيقة الألم، بينما “المتكلّمون” مشغولون بالرياء.
البنية السردية والحبكة
السرد الذاتي:
من الواضح للعيان أن النص يُروى بضمير المتكلّم، مما يعمق الإحساس بالوصف الذاتي والنقد الذاتي أيضًا. فالراوي ليس بطلًا، بل شاهدًا سلبيًا يُقلّص دوره إلى “المشاهدة خلف النظارة”.
الحبكة:
تصاعدية، تسير في خطٍ زمنيّ أفقي كرونولوجي. تبدأ بحدثٍ عادي (رحلة في الحافلة) ثم تتصاعد لفضح التناقضات.
فتأتي العقدة مع تذمر الركاب من السائق، ثم التحرش بالسيدة، وتصل ذروتها باكتشاف أن قادة المسيرة من الصم والبكم. لتنتهي القصّة بالحل المُفارق، وأقصد به الصدمة التي تكمن في أن “الخرس” هم من يقودون الصرخة ضد الظلم، بينما المبصرين صُمٌّ عن الحق.
التقنيات السردية
تعدّدت التقنيّات السردية في النصّ، حيث يُوظّف السرد اليومي لفضح التناقضات، مستخدمًا الرمزية والمفارقة لتفكيك خطاب الزيف الاجتماعي.
الرمزية:
-
النظارة السوداء: تكررت سبع مرات في النص، وكأنها لازمة، كرمزٍ للعزلة، الخوف، أو التستر على الحقيقة. وقد تُشير أيضًا إلى “الرؤية المشوّهة” التي تمنع صاحبها من الفعل.
-
الصم والبكم: رمزٌ للسُّخط الصامت والفعل النقيض للخطاب الزائف. كما أن وجود الضحية بينهم يُضاعف من تأثير المفارقة.
-
الجلباب الأزرق المبلل: يُحيل إلى “خريطة العالم الممزقة”، كنقدٍ لانعدام العدالة الدولية.
“وكأن تلك البقع تمثل خريطة للعالم، وقد انشطرت إلى جزر متناثرة متنافرة، لا يجمع بينها خيط ناظم، ولا وازع أخلاقي رادع، ولا قانون إنساني زاجر.”
التكرار:
لقد تكرّرت بعض المفردات والعبارات بالنصّ كنوعٍ من التوكيد والتشديد على الرسالة التي يريد الكاتب تمريرها عبر السردية. فتكرار “خلف نظارتي السوداء” يُؤكد عجز الراوي عن الفعل. وتكرار “هتافات خرساء” في النهاية يعكس فشل الكلام في التعبير عن الألم الحقيقي.
المفارقة الساخرة:
يظهر النصّ مفارقاتٍ عدّة اعتمدها الكاتب كآلية كي يحقق الهويّة السردية للقصة؛
فالمتحرش يهتف ضد الظلم بينما هو ظالم:
“كان يسير، باكيا، هاتفا، وبكل حماس، بشعارات منددة بحرب الإبادة المسلطة على أهل غزة.”
والسائق يتسلط بسلطته البسيطة.
والجماهير تهتف للقضية بينما تتجاهل انتهاكاتٍ تحدث أمامها.
استخدام المخاطب في السرد:
كنوعٍ من الاتصالية بين الكاتب والقارئ، وإقحامه في الحدث:
“أتدرون من كان في طليعة المسيرة المليونية التضامنية؟ بوسعكم أن تتعمقوا بفكركم، أطلقوا العنان لخيالكم، فلن يتبادر إلى أذهانكم أبدا من كان في مقدمة المسيرة.”
اللغة المحكية:
“عْلَاشْ عْلِيكُمْ هَذْ الزَّرْبَة؟ رَاهْ لِّي زْرْبُو مَاتُو (لماذا الاستعجال؟ الذين استعجلوا ماتوا).”
اللغة والأسلوب
لغة سردية وصفيّة؛ تميل إلى التدفق الداخلي (تداعي الأفكار) مع مزج الوصف بالتحليل النفسي.
“كنت أتابع تفاصيل ما يحصل في برودة وصمت”
يُظهر انفصال الراوي عن المشاركة.
أسلوب تقريري في بعض المقاطع، مثل وصف الحافلة والمحطة بدقة:
“كان لا يوجد بالمحطة سوى سبعة أشخاص…”
لكنه يتجاوز التقريرية إلى النقد حين يربط الأحداث بالدلالات الرمزية (مشهد الجلباب المبلل).
التناص
في إشارة إلى “حنظلة” (رمز الصمت في أدب ناجي العلي) تعمق فكرة العجز.
بينما تُستخدم أغنية “سامحوا البكم” كخاتمة تراجيدية تُبرز تناقض الكلام والصمت.
ترميز الشخصيات
-
الراوي: يرمز للمثقف العاجز الذي يختفي وراء دور المراقب.
-
السيدة المُتحرَّش بها: تمثّل الضحية الصامتة، والتي تُكتشف لاحقًا كعضوة في جمعية الصم، مما يُضاعف رمزية “الضحايا الذين لا صوت لهم”.
-
المتحرش: نموذج النفاق الاجتماعي (يدّعي الوطنية وهو منتهك للحرمات).
-
الصم والبكم: هم “الأنقياء” الوحيدون الذين يعبرون عن الألم بلا زيف.
يطرح النص سؤالًا أخلاقيًا:
كيف نُدين الظلم البعيد بينما نتجاهل القريب؟
كما أنه يطرح مقولةً ملحّةً في مفارقةٍ ساخرة، إذ أن الصم والبكم، رغم عجزهم، يصبحون صوت الضمير الغائب، بينما “المبصرون” صُمٌّ عن رؤية الحق.
النهاية المفتوحة
يُقدّم لنا الكاتب نهايةً مفتوحة:
تخلص الراوي من النظارة ثم يعود إليها، في تلميح ضمني إلى استحالة التحرر من ثقافة الصمت.
هتافات خرساء
بسبب الحدث الكبير الذي ستشهده المدينة اليوم، اخترت التنقل عبر حافلة النقل الحضري. كان لا يوجد بالمحطة سوى سبعة أشخاص: شابة، كان جسدها، ورأسها، وكل جوارحها، تتحرك في خفة ورشاقة. كان واضحا أنها تتفاعل، تفاعلا تاما، مع أنغام تنبعث عبر سماعتين استوطنت أذنيها.
وكان هناك طفل، يترقب وصول الحافلة ليتخلص من عبء محفظة كان يضعها على ظهره، مثقلة بالكتب واللوازم الدراسية، على الرغم من أن اليوم يوم أحد، بل وكان يوم احتضان المدينة للحدث المهم. من الأكيد أنه كان يقصد محلا، من المحلات التي صارت تنبت مثل الفطر، للاسترزاق من دروس الدعم.
بينما كان هناك أربعة شبان يحملون أعلاما فلسطينية ووطنية. وعلى مقربة منهم، وقفتُ أنا. كان الطقس جميلا متعاطفا مع القضية التي سيُتظاهر من أجلها اليوم. كانت الأشعة الذهبية التي نجحت في اختراق الغيوم التي كادت أن تحجب الشمس كليا، تبعث الدفء وتغري بالخروج.
كنت أرتدي بدلة رياضية، وأضع على عينيَّ نظارة سوداء، أدمنت على وضعها منذ أمد بعيد. كنت أعلم بحدث اليوم. لكنني لم أبال لذلك. لا أدري ما الذي جعلني، منذ الفجر، أشعر بالرغبة في زيارة ساحة مشهورة عند مدخل المدينة العتيقة، ينشط فيها ما بقي من “حلايقية” الزمن الجميل. آه! كم أمني النفس بأن أجد حلقة “الشريف” أو “مول الأزلية” أو “البراق”، كما كنا نلقبه، ما تزال حية هناك، “الشريف” الذي يا طالما استمتعنا بحكاياته المشوقة المتغنية بانتصارات الأسلاف، والمتباهية بأمجاد العرب وفتوحات المسلمين!!!
وصلت الحافلة. صعدت، فوجدت نفسي بجانب تلك الشابة المتفاعلة كليا مع ما يبثه هاتفها من أنغام عبر السماعات، إلى درجة أنها لم تنتبه، أو بالأصح، لم تكترث لجلوسي إلى جانبها إطلاقا. لكن ما سيثير انتباه معظم الركاب، ولزمن غير يسير، هو صوت السائق الذي استغل هذا التوقف، لينغمس في اتصال عبر هاتفه، بالصورة والصوت، مع أحد أقاربه، اتصال طال كثيرا، وكان سيطول أكثر، لو لم ترتفع أصوات الركاب تعبيرا عن تذمرهم إزاء هذا الاستخفاف.
أما السائق فلم يجد ما يرد به على احتجاهم سوى القول، محاولا إضفاء شيء من الهزل والدعابة على كلامه:
“عْلَاشْ عْلِيكُمْ هَذْ الزَّرْبَة؟ رَاهْ لِّي زْرْبُو مَاتُو (لماذا الاستعجال؟ الذين استعجلوا ماتوا)”.
واصل البعض الاحتجاج بدعوى أن لهم مصالح سيؤثر هذا التأخر عليها سلبا. بينما آخرون انطلقوا، مستسلمين لما حدث، يتجاذبون مع السائق أطراف الحديث، ويرددون في نفاق:
“المهم هو الوصول بالسلامة”.
أما أنا، وعبر نظارتي السوداء، فكنت أتابع تفاصيل ما يحصل. كاد لساني الذي لجمته منذ سنوات أن ينفك من لجامه، متفاعلا مع ما يجري. غير أنني نجحت في التحكم فيه، فتحول إلى كلام صامت، لا يسمعه أحد سوايَ:
“أيها الناس، السائق هو من يملك سلطة قيادة الحافلة. والسلطة، كما تعلمون، قد تتحول إلى تسلط، والسلطة والتسلط مُعْديان. العديد منا، كلما أحس بأنه صار يمتلك سلطة ما على آخرين، حَوَّلَ سلطته إلى تسلط. وهذا بالضبط ما حصل للسائق. فهو، بدافع شعوري أو لا شعوري، إنما أراد استظهار سلطته على ركاب الحافلة التي هو قائدها”.
لقد غدا لساني أكثر فصاحة وطلاقة و”تفلسفا”، بل وجرأة أيضا. غير أني خفتُ، إن استمر في الكلام، حتى وإن كان ليس مسموعا، أن يصدر منه ما يمكن أن يذيب جليد العدمية التي اخترتها ملاذا منذ زمان، متحصنا خلف نظارتي السوداء.
والحافلة تتأهب للإقلاع، سُمِعَتْ طرقاتٌ على الباب الخلفي المخصص لنزول الركاب. كان هناك شاب، يحمل حقيبتين، يريد من السائق، وعلى الأصح، يأمر السائق، أن يفتح له الباب الخلفي، ليضع حقيبتيه، ثم يصعد، بعد ذلك، من الباب الأمامي لأداء ثمن التذكرة. لكن السائق رفض. مما أغضب الشاب الذي انطلق يضرب الباب بقوة، في الوقت الذي صار العديد من الركاب يحتجون ويؤاخذون السائق على عدم تجاوبه مع رغبة الشاب. في الأخير رضخ لهم.
كان للشاب ما أراد، لكن ما أن صعد حتى انبرى على السائق سبا وشتما، بل وحاول الاعتداء عليه. أما أنا، ودائما خلف نظاراتي السوداء كنت أتابع ما يجري في برودة وصمت. لكن هذه المرة لم أكتف بذلك، وما كان ليَ لأن أقنع بذلك.
لقد فكرت في أن أتدخل من أجل وضع النقاط على الحروف، من أجل إحقاق العدل ورفع الظلم. فكرت، وأقول فكرت فقط، أن أخاطب الركاب، وخاصة الشاب المستهتر:
“يا أيها الناس، إن احتجاجكم على السائق مجانب للصواب تماما. لا بد أن تميزوا بين الحق والامتياز. فهذا الشاب من حقه أن يصعد من الباب الأمامي، كما يفعل الجميع. هذا حقه، وما كان يمكن للسائق أن يجرده من هذا الحق. أما المطالبة بفتح الباب الخلفي لوضع حقائبه، فهذا ليس حقا، بل هو امتياز، ينبغي التلطف والتأدب في المطالبة به. السائق لم يخترق القانون، والشاب أخطأ حين اتبع الخشونة والفظاظة في المطالبة بامتياز وليس بحق”.
لكنّي، مستلهما صفة من صفات حنظلة، ضربت بكل ذلك عرض الحائط، وآثرت الصمت والاستمرار في متابعة ما يجري، ودائما، خلف نظارتي السوداء.
الكاتبة سمية الإسماعيل