دراسة  للكاتبة سميّة الإسماعيل في نصّ: دولاب الزمن للأديب بسام الأشرم 

ليس الخطأ خطأ السيّاف إذ تجاوز حدود الشاشة، فقد تعوّد على أن تمتد الرقاب تحت نصل سيفه.. أما كان للآخر ألّا يمدّ عنقه! أم تراها عادةٌ أيضًا.. أو سلوكٌ غير محكومٍ بضوابط نفسية؟

في هذا المشهد الخاطف، تتقاطع الذاكرة التاريخية مع الذهان الفردي، حيث لا تعود الشاشة شاشة، ولا تعود الرقبة رقبة متفرّج، بل تتماهى حدود الذات مع الآخر في مشهد قاتل، يلخّص فعل التماهي النفسي المتطرّف حتى الفناء.
فالشخصية لا تشاهد فقط، بل تُمتصّ داخل ما تشاهده، وهو سلوك يمكن تصنيفه نفسيًا تحت بند الاستغراق الإدراكي / التماهي القاتل، وهو انمحاء تدريجي للحدود بين “الأنا” وما هو خارج الأنا، يصل ذروته عندما يُصبح التماهي مع الآخر سببًا في الانهيار أو الزوال الرمزي.

لكن السؤال الذي يطرحه البطل:

“أكان الإنسانُ ذاتَ يومٍ يَمُطُّ عُنُقَهُ طَوعاً لذابحهِ؟!”

يتحول فورًا إلى إجابة جسدية يعيشها هو، فيمدّ عنقه طوعًا للمشهد، كأنه بذلك ينتقل من موقع المراقب إلى موقع الضحية، ومن دور الشاهد إلى دور المعني.

حتى العنوان نفسه، يطرح ثيمة “التاريخ يُعيد نفسه” في واقعة الزمن المغلق والدولاب. فالعنوان “دولاب الزمن” هنا نسق دائري مغلق، حيث يعود العنف، القهر، والتضحية، في دورات لا تنتهي.
والبطل الذي ظنّ أنه يشاهد التاريخ، يجد نفسه داخل دولابه، مربوطًا بعنقه مثل سواه.

في هذا النص القصير، يمارس بسام الأشرم لعبة دقيقة بين الوعي واللاوعي، بين الماضي والمُعاش، في لغة مشحونة، مكثفة، تُحاكي تقنية اللقطة الواحدة سينمائيًا، لكنها تحمل كثافة سردية ونفسية هائلة.
إنه مشهد من الذاكرة، نعم، لكنه ذاكرة العالم حين تتسرب إلى هشاشة الفرد.

النصّ:

من الذاكرة.

دولاب الزمن.

باسِطاً ساعدَيهِ فوقَ بعضهِما على حافةِ مكتبهِ قاطِباً حاجبيهِ
مُحدِّقاً بشاشةِ جهازِهِ يشاهِدُ فيلماً تاريخياً عن محاكمَ التفتيش ..

يتعجبُ ..! يتساءلُ :

“أمعقولٌ هذا .. ؟!
أكانَ الإنسانُ ذاتَ يومٍ يَمُطُّ عُنُقَهُ طَوعاً لذابحهِ .. ؟!”

يشُدُّهُ المشهدُ .. يمُطُّ عُنُقَهُ مُقترِباً ..
تتجاوزُ ضربةُ سيفٍ حدودَ الشاشة .. يَسقطُ ذبيحاً .

(بسام الأشرم)

الكاتبة سمية الإسماعيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *