دور الإيهام بالتنمية وبالتقدّم في الانسلاخ الحضاري ل د. علي أحمد جديد

 

أولاً: التنمية المفروضة وفقدان الوعي الحضاري

يوضح التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للشعوب أن كل عملية تقدّم حقيقية ترتبط بوجود وعي حضاري واجتماعي يوجِّه مسار التطور. غير أن أشكال التنمية الحديثة السائدة في المجتمعات النفطية تبدو تنمية مفروضة لا علاقة لها بأصالة المجتمع أو بنيته الحضارية.

فالأموال المتدفقة من النفط دفعت تلك المجتمعات إلى تصنيع تنمية وهمية لا تستمد مقوّماتها من مسار تاريخها، مما ولّد انفصامًا في شخصية الإنسان النفطي وتشويهًا في سلوكه، وابتعادًا عن القيم الحضارية والاجتماعية الأصيلة.

ومع تزاوج المال مع الاستبداد نتجت سلوكيات فوقية واستعلائية، وترسّخت قوى غيبية تُغذّي الصراع المذهبي والتجزيئي، الأمر الذي يُبقي التخلف الحضاري قائمًا وينعكس اجتماعيًا واقتصاديًا بشكل متوازٍ.

ثانياً: التقدم والوعي بالتخلف

التقدم ـ في جوهره ـ يبدأ بالوعي بوجود التخلف، ثم بالإرادة المنظمة لتجاوزه. فالنهضة تستلزم مواجهة الانحطاط، وتغليب الاستنارة على التجهيل. لكنها لا تعني العودة إلى الماضي أو الإقامة فيه، كما يحدث اليوم في كثير من مجتمعاتنا.

كما أن الاستبداد هو البيئة التي تنتج الفساد وتبرّر هيمنة الفاسدين والمفسدين، دون رادع أو حدود. ومن ثمّ، لا بد من تنوير اجتماعي يوضح أن التقدم لا يعني التخلي عن الأسس الحضارية، ولا استنساخ النموذج الغربي بالكامل، وإلا تحوّل الأمر إلى انسحاق ذاتي للمجتمع وخروجه من ساحة الفعل الحضاري، خاضعًا للهيمنة الداخلية والخارجية.

ثالثاً: التنمية القيصرية واهتزاز البنى الاجتماعية

إن التقدم الحق يتطلب تأسيس معرفة جديدة تُغيّر النظر إلى الأشياء والمشكلات المتجذّرة في المجتمع. أما نماذج التنمية المفروضة في المجتمعات النامية فهي عمليات قيصرية ترتّبت عليها اهتزازات في المكونات الاجتماعية وارتجاج في التاريخ الحضاري.

وتتيح هذه الحالة للسلطات السياسية اتباع أساليب هيمنة وضبط صارم، والتضييق على حرية المواطن، وحرمانه من بعض حقوقه، بحجة مواجهة تهديدات خارجية أو حصارات مفروضة. وهكذا يتصاعد مستوى القهر المادي والمعنوي في المجتمع.

ويبقى الغائب عن هذه النماذج التنموية هو إدراك أن التنمية الغربية المستوردة ـ بما تحمله من إخفاقات تاريخية ـ عاجزة عن تخطي واقع التخلف، لأنها تعتمد تزييف النمو وإفساح المجال أمام الفساد عبر سوء توزيع المسؤوليات والسلطات.

رابعاً: التنمية بين الرفض والاحتواء الحضاري

ليس المقصود أن كل تنمية شر يجب رفضه، بل إن التعامل مع مشاريع التنمية يحتاج إلى وعي حضاري يحمي الذات الثقافية، ويقرأ أيديولوجيا الآخر يقظةً ومسؤولية.

فالثروات المالية الهائلة في المجتمعات النفطية، وخاصة الخليجية، أصبحت تدور ضمن منظومة رأس المال الأمريكي والغربي الذي يستعيد أمواله عبر أدوات مصرفية ومالية، فيسمح بتوجيه جزء منها إلى مشاريع تنموية باهظة الكلفة قليلة المردود. بالمقابل، تُستخدَم أموال أخرى في شراء أحدث التجهيزات العسكرية لاستخدامها ضد المجتمعات الشقيقة، مما يرسخ تبعية عضوية للمركز الغربي وارتهانًا لقراراته.

وهكذا تتحول التنمية إلى تنمية وهمية تعيق تشكّل نهضة حقيقية، وتعمّق الانسلاخ عن التاريخ الحضاري، وتكرّس ارتباط المجتمعات بالمركز الاستعماري.

خامساً: المواطن الاستهلاكي والانفصام الاجتماعي

أدى تدفق الأموال إلى رفع مستوى المعيشة، لكنه أنتج أيضًا مواطنًا استهلاكيًا بامتياز، حتى أصبح المجتمع يعتمد على العمالة الأجنبية في كل الأعمال، ليس الإنتاجية فحسب، بل حتى في مستلزمات الحياة اليومية.

ونتج عن ذلك ترفّع المواطن النفطي عن العمل الإنتاجي مهما كان بسيطًا، بسبب الإغراق في الثروة وهستيريا الترفيه، وهو ما رسّخ انفصامًا عميقًا في الشخصية، ناتجًا عن نماذج تنموية مشوَّهة وقيصرية.

د. علي أحمد جديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *