هناك أدباء سبقوا عصرهم، منهم ليو تولستوي الذي قدم رواية من ألفها إلى ياءها بصوت امرأة. ولم يقتصر الأمر على مجرد الصوت، بل أدخلنا إلى نفسيتها ومشاعرها، فكانت الساردة امرأة حقيقية. وإذا علمنا أن الرواية كتبت في أواخر القرن التاسع عشر، نصل إلى العبقرية التي وصل إليها “ليو تولستوي”. ويمكن أن تكون هذه الرواية أول رواية كتبت بلسان امرأة، بمعنى أن الكاتب فتح المجال أمام النساء ليكتبن روايتهن / مشاعرهن، بعيداً عن هيمنة المجتمع.

الكاتب والسارد
بعد قراءة الرواية نصل إلى فكرة “ليو تولستوي” ونظرته إلى الحياة، إلى المجتمع، إلى الناس من خلال شخصيات الرواية، جاء على لسان “سيرجي” بطل الرواية:
“إن السعادة الحقة الوحيدة في هذه الدنيا إنما هي في خدمة الآخرين” (ص40).
هذه النظرة للناس نجدها في سلوك الكاتب حينما وزع ثروته الكبيرة على الفقراء، مما جعلهم سعداء فرحين، ومن ثم فرح هو أيضاً.
وإذا ما توقفنا عند “ماشا” عندما أعطت كل ما تملك لـ “سيمون” الفقير الذي جاء يطلب “وَبَلَ” واحد وبعض الأخشاب لدفن ولده، نصل إلى أن بوادر توزيع الثروة كانت موجودة في “ليو تولستوي” منذ أن كتب “سعادة الأسرة”.
وجاء على لسان “ماشا” – ساردة الرواية –:
“كنت أتوق إلى المغامرات والمخاطر بل كنت أحب أن أضحي بذاتي في سبيل حبي.”
وهذا أيضاً وجدناه في سلوك ليو تولستوي حينما فضل المغامرة والعيش (كمشرد) على حياة القصور التي وجدها حياة رتيبة / مملة، لأنها بعيدة عن عامة الناس.
الطرح الطبقي
رغم أن كاتب الرواية من طبقة النبلاء الذين يملكون الكثير، ويتنعمون بكل ملذات الحياة، إلا أن السارد تناول الجانب الطبقي من خلال “سيمون” الذي:
“جاء يستجدي بعض الألواح من الخشب ليصنع بها نعشاً لطفلته، وروبلاً يدفعه إلى القسيس الذي سيرأس الجنازة” (ص62).
فهنا أعطانا السارد صورة عن حجم الفقر الذي يعيشه عامة الناس.
في المقابل يحدثنا عن أم “سيرجي” التي كلّف حفل زواجها “30000” روبل. هذه المفارقة تقودنا إلى طبيعة المجتمع الذي يهيمن على اقتصاده مجموعة قليلة من الناس، مقابل الحرمان والبؤس الذي يطال غالبية المجتمع. وكأن السارد من خلال هذه المفارقة كان يتحدث عن ضرورة قيام الثورة البلشفية، لتحقيق العدالة في توزيع الثروة بين المجتمع. فلا يعقل أن يكون هناك من لا يمتلك روبلاً واحداً، وآخر يصرف على حفلة زفافه 30000 روبل.
المرأة
تتناول الرواية “ماشا” الابنة السابعة عشرة التي تميل إلى “سيرجي” الذي تجاوز الخامسة والثلاثين عاماً، حيث بدأ الميول بينهما يتنامى مع الوقت. كانت أول مرة تعترف بها “ماشا” بحقيقة ما تشعر به تجاه “سيرجي” حينما أخذت تراقبه من خلف الشرفة دون أن يشعر، وهو يتحدث مع نفسه:
“ماشا، مستحيل! …حبيبتي ماشا” (ص48).
وهنا تأخذ مشاعر “ماشا” بالهيجان:
“وتملكني فرح عظيم، فرح مجنون… حتى خفت أن أسقط من فوق الشرفة فأفضح شعوري أنا الأخرى… العم العجوز الذي يرعبني بجده ووقاره، صار رجلاً في مستواي يحبني ويخافني كما أحبه وأخافه” (ص49).
هذه المشاعر هي ما يميز الرواية، امرأة تتحدث عما تشعر به، في مجتمع (يحظر) عليها هذا الأمر.
وبعد أن تمت ملامسة الأيدي بينهما قالت “ماشا” عما شعرت به:
“نزلنا الشرفة معاً ولقد كانت الدنيا جميعها بسمائها وهوائها وأشجارها وأزهارها غير تلك التي ألفتها من قبل” (ص56).
نلاحظ تنامي المشاعر بالتدريج، فكلما تقدمت العلاقة بينهما كلما توهجت “ماشا” أكثر، وحدثتنا عن نفسها بتفاصيل جديدة.
تكتمل العلاقة بينهما بالزواج، وهنا تتقدم “ماشا” أكثر مطالبة بحرية مشاركة زوجها أعماله وهمومه، فهي تشعر بأنها مقيدة:
“إنني مقيدة، ولا أحب أن أبقى على هذه القيود” (ص103).
يتفقان على الذهاب إلى “بيترسبيرغ”، وهناك تجد حياة أخرى غير حياة الريف. يدعوها الأمير لحضور حفل على شرفه، لكن “سيرجي” يمتعض من هذه الدعوة، وهنا تحصل إشكالية بينهما.
تقابل شاباً إيطالياً أخذ يراقبها بطريقة مثيرة، ما جعلها (تميل) إليه:
“لقد لمس فؤادي بإعجابه” (ص129).
ثم يحادثها فيسحرها كلامه، ويقبل وجهها، مما جعلها تشعر بالذنب / بالخطيئة التي اقترفتها، فتأخذها مشاعر الخيانة إلى هذا الألم:
“لقد أحرق عار هذه القبلة خدي، وكان تفكيري في زوجي وطفلي يخزني وخزاً مريعاً” (ص135).
وهنا تفكر بالاعتراف لزوجها بما أقدمت عليه من خيانة، لكنها لا تجرؤ على ذلك. لكن ندمها كان يكفيها لاستعادة ذاتها النقية والعفيفة، وبها تعود الأسرة إلى حياتها السوية الهنية السعيدة.
الإيحاء والتصريح
إذا ما توقفنا عند مشاهد الرواية لا نجد أي مشهد فاضح / صريح. حتى أن “ماشا” لا تخبرنا عن ليلتها مع “سيرجي” واكتفت بالحديث عن مشاعرها تجاه زوجها. وهذا الأمر تكرر مع الشاب الإيطالي، فلم يحدث منها أكثر من قبلة على وجه، ومع هذا كانت هذه القبلة بمثابة خطيئة كاملة بالنسبة لـ “ماشا”.
وهذا يقودنا إلى طبيعة المجتمع الريفي العفيف الذي يتأثر بأي شيء، فمجرد نظرة يمكن أن تهد إنساناً، أو تحييه. وكلمة يمكنها أن تمحوه من الحياة، أو تعيده إلى الوجود. فكيف سيكون عليه الحال، إذا ما كان هناك فعل / حدث / عمل!؟
وإذا ما قارنا مشاعر وطبيعة شخصية “ماشا وسيرجي” مع شخصيات معاصرة / حديثة سنجد الهوة السحيقة بينهما. فشخصيات اليوم بليدة / متحجرة / جامدة / شريرة، قبيحة، فقيرة المشاعر والإحساس، لا ترمش لها عين حتى لو شاهدت الدنيا تحترق. بينما وجدنا شخصيات القرن التاسع عشر تتأثر بأدنى شيء. من هنا تبرعت “ماشا” بكل نقودها لـ “سيمون”، ونجدها تتألم وتشعر بالعار والخطيئة لمجرد قبلة.
من هنا نشعر بحاجتنا إلى تلك الشخصيات المترعة بالمشاعر الإنسانية، لعلنا نستعيد شيئاً من إنسانيتنا التي فقدناها في هذا الزمن المتوحش. أعتقد أن هذه رسالة عابرة للزمن حملتها رواية “سعادة الأسرة” لكاتبها “ليو تولستوي”.
الرواية من منشورات وزارة الثقافة الأردنية، مكتبة الأسرة، الإصدار رقم 936، طبعة 2023.
الكاتب والناقد رائد الحواري