رواية قصيرة جدًا موناليزا السجين للكاتب مبارك إسماعيل ودحمد

الليل في سجن المليشيا ليس ليلًا حقيقيًا، بل ظلمة تتكاثر مع أنفاسنا. تبدأ بصرخة من زنزانة بعيدة، وتنتهي بمواء قطة تقفز على الأسلاك. كنت أحصي الوقت من خلال تقطّر الماء من سقف مثقوب — نقطة لكل حلم مات. قال لي الحارس ذات مساء:
«من يتكلم يُدفن بصوته.»
فصرت أخاف حتى من الحروف التي تتكوّن في داخلي.

في أعلى الجدار، رأيت بورتريه لامرأة. رسمها من شغل الزنزانة قبلي. لها ملامح بتولية كأنه رسم موناليزته الخاصة. كنت أحدّثها في سري، أعتذر لها عن كل شيء.

حين أغمضت عيني، رأيت وجوه رفاقي الذين اختفوا في الليالي الأولى. أحدهم كان يلوّح لي من خلف الجدار، شفاهه تتحرك دون صوت، وكأن كل شيء في هذا المكان تعلّم لغة الخوف والصمت الإلزامي.

في ليلة مشبعة برائحة المطر، فتحوا الباب الحديدي ودفعوا إلى الداخل رجلين. أحدهما يرتدي ثوبًا رماديًا، وجهه يشبهني في ملامح غامضة — كأننا من دم واحد، والآخر يرتدي جلبابًا ممزقًا من أطرافه. جلس بقربي واجمًا يغلف وجهه الصمت.

قال لي الرجل الآخر:
«أنا موسى. جئت من الجهة الأخرى من الحرب.»
لم أسأله أي جهة يقصد، لأن الجهات في هذا المكان بلا معنى. بدأ يتحدث بصوت يشبه صدى صوتي؛ يحكي عن قريتي، عن أمي، عن الرسائل التي خبأتها تحت وسادتها بعد اعتقالي. تجمّدت… كيف يعرف كل هذا؟

في الليلة التالية، استيقظت فوجدته يكتب شيئًا على الجدار:
«الحقيقة لا تموت بالصمت، بل تنام فيه.»
حين اقتربت منه، رأيت على ذراعه وشمًا غريبًا، كلمة ممزقة، نصفها مطموس: «ـحرّ». رفعت نظري إليه فقال بهدوء:
«كنت أنت من كتبها ذات يوم… قبل أن يصادروا قلمك.»

ومنذ تلك الليلة، لم أعد متأكدًا إن كنت أنا الذي يتحدث، أم هو.

في الصباح، فتح الحارس الزنزانة وصاح:
«هيا اخرجوا لتنظيف الساحة.»
كان المكان يعج بزملائنا المساجين، تبدو على أجسادهم آثار الحرب؛ فمنهم من يعرج، وآخر فقد ذراعه، وآخرون فُقئت أعينهم.

في أحد أركان الساحة، في غفلة من الحراس، جلس موسى أمام مرآة قديمة مغبّشة وقال لي:
«قل كلمة واحدة، وستخرج من هنا.»
ترددت، ثم نطقت باسمي… فلم أسمع صوتي. ضحك موسى وقال:
«أسماؤنا تموت أولًا في الحروب.»

اقتربت من المرآة، لمحت فيها وجهه يتحول إلى وجهي، ثم إلى وجوه كثيرة عرفتها يومًا ودفنتها في الذاكرة. كنت أصرخ بلا صوت، أطرق الجدار حتى تكسرت أظافري. الوجوه حولي بدأت تهتز وتصفّق بأيديها المكسورة. كل شيء أخذ يتحرك: الضوء، الجدار، الهواء، حتى الخوف نفسه.

صرخت في وجهه:
«من أنت بحق الله؟!»
ابتسم موسى وقال:
«أنا صوتك الذي خنقته… وأنا الذي سيخرج مكانك.»

في الصباح، سُمع ضجيج في الزنزانة. دخل الحارس فوجدني جالسًا فوق فراشي — بلا نفس ولا صوت. والرجل الآخر متكوّمًا على نفسه، كمن يرى ملاكًا يهمّ بخطف روحه.

أما فراش «موسى» فكان خاليًا، وعلى الجدار نُقشت بعمق جملة واحدة:

«لقد نطقتَ بالصمت.»

الكاتب مبارك اسماعيل ودحمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *