سباق العمر الزمني: نازك الملائكة وشعر النثر.. جدلية الريادة والقطيعة للكاتب ماجد القيسي

يُثير النقاش حول نتاج الشاعرة العراقية نازك الملائكة وحركة شعر النثر العربي جدلاً واسعاً في المشهد الثقافي، ليس حول الأفضلية، بل حول “سباق العمر الزمني” الذي يمثل تدرجاً في التحرر الشعري العربي؛ فالملائكة قادت الثورة الأولى، بينما شكّل شعر النثر القفزة الجريئة التي كسرت كل القيود المتبقية.

نازك الملائكة: ريادة الشعر الحر والتمسك بالعمود الفقري

تُعتبر نازك الملائكة (1923–2007) المُؤسِّسة الفعلية لـ الشعر الحرّ أو شعر التفعيلة، وهي الحركة التي انطلقت في أواخر الأربعينات. مثّل ديوانها “شظايا ورماد” (1949) نقلة نوعية بتحرير السطر الشعري من قيود نظام الشطرين التقليدي، ومنح القصيدة مرونة لم تكن معهودة.

ورغم ثوريتها، ظلّ تجديدها منظّماً. ففي كتابها النقدي المؤثر “قضايا الشعر المعاصر” وضعت الملائكة حدوداً واضحة للتجديد، مصرّة على أن الإيقاع (التفعيلة) هو “العمود الفقري” للشعر، ولا يقوم الشعر بدونه.
لقد حررت الشاعرة الشكل والقافية، لكنها أبقت على الوزن بوصفه شرطاً لتعريف الشعر.
إن إرثها يجب أن يُقرأ في سياقه التاريخي: خطوة أولى ضرورية في مسار التحرر الشعري.

شعر النثر: القطيعة الشاملة والبحث عن الحداثة النقية

مثّل شعر النثر الثورة الثانية والأكثر جذرية في تاريخ الشعر العربي الحديث. فقد تخلّى كلياً عن الإيقاع الوزني، واكتفى بالإيقاع الداخلي، والصورة المفاجِئة، والتكثيف البلاغي.

قاد هذا التيار رواد مثل:

  • أنسي الحاج

  • محمد الماغوط

وأسهم شعراء آخرون مثل أدونيس في تطوير رؤى القصيدة الجديدة ضمن مشروع التجديد الكلّي.

رأى شعراء النثر أن التمسك بالتفعيلة—even في شكلها الحر—قيدٌ يحول دون بلوغ “الحداثة النقية” والانسجام مع التيارات العالمية التي رسّخها بودلير ومن جاء بعده.
شعر النثر راهن على النثر كشكل شعري خالص، متحرر من أي إرث صوتي ملزم.

نتيجة السباق: بين التمهيد والتجاوز

ليست المقارنة بين نازك الملائكة وشعراء النثر مقارنة بين ندّين؛ بل هي قراءة لمسار التحول:

  • نازك الملائكة فازت بسباق الريادة التاريخية:
    فتحت باب التجديد ونقلت القصيدة من عصورها القديمة إلى الحديثة عبر التفعيلة (وشاركها بدر شاكر السيّاب).

  • شعر النثر فاز بسباق الانتشار والتأثير المعاصر:
    قدّم القالب الأكثر مرونة لاستيعاب تعقيدات العصر وتجارب الذات الحديثة.

خلاصة

يظل نتاج نازك الملائكة شاهداً على اللحظة التي تنفست فيها القصيدة العربية حريتها الأولى،
ويظل شعر النثر شاهداً على اللحظة التي قررت فيها القصيدة التخلي عن إرثها الصوتي بالكامل بحثاً عن صوتها الحديث.

الأول مَهَّد الطريق، والثاني تَجاوَز—وكلاهما أسهم بعمق في صياغة الشعر العربي الحديث.

الكاتب ماجد القيسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *