لطالما كان التاريخ والإعلام، قديماً وحديثاً، هما المرآة التي يرى فيها المتلقي حقيقة ما يجري في بلاده. لكن هذه المرآة نادراً ما تكون نزيهة؛ ففي الصراع على السرد، تتحول السيطرة على وسائل التوثيق إلى هدف استراتيجي لأي سلطة. فهي ليست مجرد حيازة للمباني والأجهزة، بل عملية هندسة دقيقة لـ «الحقيقة المقبولة» التي تبرر السياسات وتضخم الإنجازات. وبالمقابل، تُمارس عملية حجب متعمدة لكل ما قد يكشف التغطية المزيفة للأحداث.
هذا المنهج ليس جديداً، بل هو ديدن القوة عبر العصور. وفي عصرنا الحديث، تتجلى هذه المعادلة بوضوح من خلال ندرة الشواهد المعارضة مقابل فيض السرد الرسمي، الأمر الذي يضع الباحث عن الحقيقة في مواجهة عسيرة.
شواهد من سجلات الحجب والتزوير
يظهر التباين بين وفرة وثائق السلطة وندرة الرواية البديلة في العديد من الأمثلة العالمية والعربية، من أبرزها:
1. مذبحة تيانانمن (الصين، 1989):
لطالما أصدرت السلطات الصينية أرقاماً متحفظة جداً لضحايا قمع المظاهرات، وتحولت أي إشارة للحدث إلى محظور سياسي يخضع لرقابة صارمة على الإنترنت وفي الكتب. لكن الوثائق السرية التي أفرجت عنها دول أجنبية، كالأرشيف البريطاني، كشفت عن تقديرات لعدد القتلى تفوق الأرقام الرسمية بعشرة أضعاف، مؤكدة أن الرواية الكاملة للحدث دُفنت عمداً تحت السيطرة المطلقة على التوثيق الداخلي.
2. وثائق حرب أكتوبر 1973 (مصر وإسرائيل):
إن المعلومات المتعلقة بنقاط الضعف والفشل الاستخباراتي والسياسي في تلك الحرب ظلت لعقود طويلة محجوبة أو منقّحة من الجانبين. وعلى الرغم من رفع السرية الجزئي عن بعض الوثائق مؤخراً، فإن توقيت النشر وكمّها المنقّح غالباً ما يظل خاضعاً للحسابات السياسية الراهنة، مما يؤكد أن الوثيقة ليست مجرد سجل للماضي، بل أداة تُستغل في الحاضر لتوجيه الرأي العام، مع الإبقاء على الوثائق الأكثر حساسية حبيسة الأرشيف لآجال غير معلومة.
3. التلاعب بالسجلات التاريخية:
على مستوى التراث العربي، واجه الباحثون تحديات كبيرة في التمييز بين الوثائق الأصلية والمزورة التي تهدف إلى تغيير حقائق تاريخية أو نسب قبائل وممتلكات. فالميل إلى تزوير النصوص القديمة، كما حدث مع بعض النقوش والمسكوكات التاريخية لأغراض سياسية أو اقتصادية، يؤكد أن الوثيقة تتعرض للتزييف المباشر، وليس مجرد الحجب.
تكشف هذه الأمثلة أن السلطة لا تعتمد فقط على الإهمال أو المنع المباشر، بل تستخدم آليات متقدمة في الإفقار المتعمد للمعلومات المعارضة، عبر ضخ كميات هائلة من الأخبار والتقارير التي تغطي على الصوت الخافت للحقيقة. لذا، تقع على عاتق الباحثين والمواطنين مسؤولية مضاعفة لاستخراج الوثيقة المحجوبة التي أُهملت ومُنع تداولها، لأن الحقيقة الكاملة لم تُكتب بعد؛ وجزء كبير منها ما زال ينتظر في الظل.
الكاتب ماجد القيسي