عشتار وهمسات من الحديقة للكاتب الإعلامي زياد جيوسي

مقدمة

“همسات من الحديقة” هو العنوان الشاعري والحالم للمعرض التشكيلي الشخصي الأول للفنانة العراقية عشتار نصرالله، المقيمة في الأردن، والذي أقيم في قاعة الأورفلي في عمّان بتاريخ 14 تموز 2025.
المعرض، الذي ضم عشرين لوحة، يأخذ المتأمل إلى جمال مختلف؛ جمال مريح للعين، مبهج للروح. فقد استحضرت الفنانة جمال الحدائق والنباتات والورود، لكنها قدمته بمنظور خاص؛ حيث تداخلت خلفيتها الهندسية، وخبرتها الموسيقية في عزف البيانو، وموهبتها بالرسم، لتنصهر في تجربة تشكيلية تترجم همسات الحدائق إلى حسّ بصري يشبه موسيقى الطبيعة.

الفكرة الفنية

ترسم الفنانة عشتار على سجيتها، بإحساسها المباشر دون تخطيط مسبق، تاركةً مساحة واسعة للتأمل. لوحاتها تجريدية تعبيرية، تُظهر النباتات والأشجار كأنها كائنات تُهمس للمشاهد، وتغيب فيها التفاصيل الواقعية خلف الرمزي والتجريدي، في هدوء بصري يخلو من الصراخ والأنين، ويعتمد على همس الطبيعة.

تسعى الفنانة من خلال أعمالها إلى الكشف عن العلاقة بين المادي واللامادي، بين الجسد والروح، وجاءت لوحاتها ضمن ثلاثة محاور رئيسية:

المحور الأول: البشر مع الأشجار والنباتات

تقدم عشتار في هذا المحور حضور الإنسان ممزوجًا بالنباتات، ككائن لا ينفصل عن الطبيعة.

اللوحة الأولى

 

اتخذت فيها الفنانة المشهد العمودي للنباتات ضمن ستة مقاطع متجاورة، كل مقطع منها يمكن اعتباره لوحة مستقلة، لكنها تتداخل لتشكل المشهد العام. يظهر الإنسان خلف النباتات كظل شفاف أو كتلة لونية داكنة، في دلالة على ارتباط الإنسان بالطبيعة وقدرته على الإصغاء لهمساتها.

تتدرج الألوان بين الأخضر والأزرق واللازوردي والترابي، ويذوب الشكل الإنساني تارة ويبرز تارة، في علاقة جمالية تعبر عن تأثير الإنسان على محيطه وتأثره به.

لوحة ثانية

 

خلفية رمادية هادئة تتوسطها شخصية لرجل وامرأة كعمود ضوئي يتبادل الهمسات. النباتات تحيط بهما بخطوط عمودية تشبه خيوط الضوء، في انسياب بصري يجعل همسات الحديقة تتداخل مع همسات العشاق.
اعتمدت الفنانة على الأبيض الكريمي والأصفر الداكن، مع طبقات لونية متعددة تمنح اللوحة شفافية وعمقًا، وتخلق حوارًا بين الضوء والظل.

التحليل العام لهذا المحور

  • الإنسان يظهر كطيف متداخل مع النباتات، في وهم بصري يدل على وحدة المصير.

  • الخطوط العمودية تمنح اللوحات اتجاهًا نحو الارتقاء والسمو.

  • الألوان المختارة تحمل رموزًا واضحة:

    • الأخضر للخصب،

    • الأبيض للنقاء،

    • الأزرق للسكينة،

    • الأحمر والبرتقالي للعاطفة،

    • الترابي للوطن والمغادرة.

  • الفراغ في اللوحات يتحول إلى عنصر جمالي شفاف.

  • الانسجام بين العناصر يخلق إيقاعًا بصريًا أقرب إلى موسيقى صامتة، حيث تصبح الكتل شبه نورانية.

 

المحور الثاني: النباتات وحدها تنتظر زوارها

 

في هذه المجموعة تظهر النباتات وحدها، بلا حضور بشري، إلا في لوحة واحدة يظهر فيها حصان.

اللوحة الأولى (الخيول)

 

لوحة ذهبية الإضاءة، أشبه بحقول القمح وقت الحصاد. تظهر خيول شامخة في الثلث الأعلى من اللوحة، ربما فرس ومهرة، كبديل رمزي للإنسان.
التكوين اللوني بين الأخضر والذهبي والأزرق والأبيض يخلق مشهدًا احتفاليًا بالطبيعة وتجددها، وتدفق ضربات الفرشاة يمنح إحساسًا بالنور المتوهج.

لوحة ثانية (التجريد العضوي)

 

أسلوب تجريدي عضوي، تتشابك فيه الأغصان والألوان في حركة لولبية تشبه لهبًا يخبو ويشتعل.
الأحمر والبرتقالي والأسود يتصارعون مع الرمادي والبيج، ليصنعوا جدلية بين الضوء والعتمة، بين الحياة والفناء.

بقية لوحات المحور

اعتمدت الفنانة على:

  • الخطوط الطولية،

  • الحركة الصاعدة،

  • التكوين الحلزوني،

  • تدرجات لونية متناغمة،

  • تكثيف الكتل النباتية لتقليل الفراغ وملئه بطاقة لونية شفافة.

النباتات هنا ليست مجرد عناصر شكلية، بل كائنات تنتظر من يزورها، وتروي قصة وجودها.

المحور الثالث: لوحة “نخلة عشتار”

 

العمل الوحيد الذي منحته الفنانة اسمًا.
ترمز فيه إلى نخلة بلاد الرافدين، رمز الخصب والتجدد في الحضارة البابلية، حيث ارتبطت عشتار بالنخيل كرمز للخصب والجمال والحياة.

اللوحة تعتمد على محور عمودي تتوسطه النخلة.
شبكة من النقاط والخطوط البيضاء تضيء الخلفية الخضراء، فيما النقاط الحمراء تلمح إلى نزف العراق في حروبه.
اللوحة تحقيق بصري لذاكرة وطن وهوية مقاومة للفناء، إذ إن النخل كان ولا يزال رمزًا عميقًا للعطاء.

الخلاصة

ليست هذه اللوحات مجرد أعمال فنية، بل رحلة بصرية وروحية وفلسفية في عمق العلاقة بين الإنسان والطبيعة.
تجربة تشكيليّة تدعو إلى إعادة صياغة علاقة الإنسان بالبيئة، وتحويل الفن إلى فعل استدامة، حيث يصبح الجمال وسيلة لفهم الذات والوجود.

الفن هنا يتجاوز حدود الشكل إلى التأمل، وإلى صياغة رؤية جديدة للعلاقة بين الطبيعة والبشر، بين الجذور والضوء، وبين الفناء والتجدد.

الكاتب الإعلامي زياد جيوسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *