ممسكا بكفه اليمنى المقبض البارد للمقعد أمامه، جلس العجوز، وأنامله المرتعشة تعانق باقة زهور بيضاء، كانت رائحتها تعبق في ذلك المكان من حوله، داخل الحافلة. بينما جلست، بالقرب منه، شابة تسترق النظر إلى الباقة مرارًا، كأنما تستنشق شيئًا من عبقها في صمت…
حين استدار، تقاطعت نظرته مع ذلك البريق الذي لمع في عينيها، موحيا بانجذاب خفي لم تفصح عنه، لكن ملامح العجوز بدت وكأنها انتعشت بإشراقة وجهها اليافع ووهجه المتقد، كزهرة أفاقت بعد ليلة ماطرة…
نهض ببطء، لحظة توقف الحافلة، والتفت نحو الفتاة مادّا يده بالباقة وهامسا بصوت دافئ :
“خذيها، كنت قد اشتريتها لزوجتي، لكني واثق أنها كانت ستفضّل أن تكون بين يديك.”
تسللت كلماته إليها، فافترت شفتاها عن ابتسامة غير متوقعة، وارتسم على محياها أثر دفء خفيف، كوميض ضوء هادئ…
قابضة بيدها على الباقة، والتماعة الدهشة لم تفارق عينيها، وقفت تراقبه، فيما العربة تتحرك، منسابة بهدوء. وما انفكت تتابعه من خلال النافذة، وهو يعرج إلى اليمين بخطى واثقة ، قبل أن يعبر بوابة المقبرة، بالقرب من المحطة…
الكاتب الهادي نصيرة