على رصيف الذاكرة للناقد عبد الهادي الزعر

إلمامةٍ مسرعةٍ عن الموشحات الأندلسية

الموشحات عربية خالصة لكون نشأتها الأولى يرتكز على أفعال
(المزدوج والمثلث والمربع والمخمس)،
وكل بيت بنى على قافية موحدة، وهي أساساً وفدت من الشرق إلى الأندلس قبل نهاية القرن الثالث الهجري.

ولو دققنا النظر ملياً لوجدنا رواد حركة التجديد في القصيدة العربية المتطورة الشعراء المحدثون في العصر العباسي، أمثال البحتري وأبو تمام وبشار، كانوا وشاحين، ولكن هذا النمط لم يكن شائعاً في تلك السنين وتلك الربوع.

فشعراء الأندلس الذين عاشوا بداية الثالث وما تلاه، ظهرت منهم محاولات ولكنها فشلت، مثل تجارب محمد بن محمود القبري، وأبو عمر أحمد بن عبد ربه، ويوسف بن هارون.

ويُعتبر عبادة بن ماء السماء الرائد الأول للموشحات، رغم ضياع شعره وانتحاله من قبل الآخرين.

حتى أن ابن بسام أخطأ بقوله إن الموشحات أُقيمت على غير أعاريض أشعار العرب،
في حين أنها كانت لا تحيد عن المدرسة الفراهيدية.

وهذا الموقف المشكك تكرر بعد عشرة قرون، حينما ابتدع السيّاب ونازك الملائكة مبدأ (التفعيلة)،
فبدر استمر شاعراً، بينما الملائكة فضّلت التنظير.
ولإيضاح الالتباس، هذا ابن زهر الأندلسي أبدع في هذا الموشح الذي غناه المنظّر المتجدّد والمطرب الأسمر زرياب العراقي:

أيها الساقي إليك المشتكى
قد دعوناك وإن لم تسمع

غصن بانٍ مال من حيث استوى
بات من يهواه من فرط الجوى
خافق الأحشاء موهون القوى

كلما فكر بالبين بكى —
ويحه يبكي لما لم يقع

جذب الزق إليه واتكأ —
وسقاني أربعاً في أربع

الموشحات خُلقت لتُغنّى — مساءً —
فالدعة والهدوء، إضافةً إلى (الشبع والدفء) وجمال طبيعة شبه جزيرة إيبيريا،
حفّزت الأدباء للانضمام إلى قائمة الشعراء، حتى لو كانت تجاربهم غير ناضجة.

فأنشأوا مقطوعاتهم بدافع الأنس والمرح والتسلية،
لذلك حوت الكثير من المفردات السوقية والحوشية الثقيلة الوقع على السامع لأول مرة.

وكان بعضهم يتوجس خيفةً من نقد شعراء بغداد يوم كان شعراؤها لهم القول الفصل!

فشعراء المعلقات مثلاً، ومن تبعهم، كانوا لا يطلقون نتاجهم الشعري جزافاً،
بل يحككون ويشطبون ويضيفون، فسمّوها الحوليات،
بعكس وشّاحي الأندلس المتسرّعين.

وهنا لا بد من القول إن النثر الأندلسي،
وهو أحد فنون الأدب الرفيع في عصر الطوائف والمرابطين،
كان ذا أبعاد وآثار إيجابية لكثرة أغراضه وتنوع سماته وخصائصه.

ولهذا تشجّع الكثير على الالتحاق بركب الشعراء رغم عدّتهم التي لم تكتمل.

على رصيف الذاكرة… يبقى الأدب الأندلسي مرآةً للروح، وصدىً لتاريخٍ لم ينطفئ.

الكاتب عبد الهادي الزعر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *