غرقى في نهري الحب والدموع قراءة بعيد انتهاء القراءة للأديب محمد البنا عن رواية حفيدة جوردن باشا للأديبة تسنيم طه 

 

وجعي على السودان.. ذرفتها ست النفور، أو تسنيم طه، أو أي أنثى سودانية مغتربة؛ حزنًا على ما آلت إليه الأوضاع في سوداننا الشقيق. ووجعي على أوطاننا العربية من شرقها إلى غربها؛ ذرفتها آهة ألم وحسرة وعجز مقيت؛ أنا وغيري من أهل العروبة، العروبة التي قد لا نكون جديرين بالانتماء إليها والانضواء تحت راية دينها الحنيف.

وعودة إلى النص، رغم أني لم أغادره فيما سبق ونزفته من حروف، كما أنه لم يغادرني منذ بدأت الإبحار فيه كناقد متسلحًا بكل أدواتي النقدية، فإذا به يطيح بها بعيدًا، ليتركني أجاهد — كقارئ — عباب بحر هائج؛ أمواجه دموع، وعواصفه نوبات حزن وفقد وتيه وحيرة.

 

بنية السرد والرؤية العامة

رواية داخل رواية، وأحداث تتوالد، تتباعد وتتشابك، والخيط الرابط دائمًا وأبدًا: ست النفور بطلة قصتنا؛ امرأة تمزقت بين الشرق بتقاليده، والغرب بتحرره، فتعاظمت مشاعرها لتعيش الحياتين واقعًا.

جسدٌ ينتمي للغرب بتحرره من تقاليد وأعراف روحه الشرقية الإسلامية غالبًا، فيسلم قياده للإباحية وتنهار مقاومته بعد صراع واه، بينما الروح تناضل لتحافظ على شرقيتها. هذه هي ست النفور السودانية الأصل، الفرنسية الجنسية؛ الخليط الجيني الناشئ عن تزاوج الدم الإنجليزي مع الدم السوداني في ثوبه الفرنسي.

وكما قيل لنا من قبل وقلناه من بعد: الجيل الأول المهاجر يحتفظ بتقاليده الأصلية المنتمية لجذوره، بينما الجيل الثاني يصارع بين الثقافتين — وأسميه جيل التائهين — يخلفه جيل تنقطع صلته، في الغالب الأعم، بجذوره الأصلية، لتصير هويته جسدًا وروحًا منتمية لبلد المهجر؛ إذ إنه وطن المولد والنشأة والهوية.

وبطلة قصتنا ست النفور تنتمي للجيل الثاني؛ جيل التائهين الممزقين بين هنا وهناك، وقد أجادت الروائية البارعة التعبير عن نموذج مثالي تنطبق عليه كل شروط ومواصفات ومشكلات وصراعات هذا الجيل.

 

المثلث السردي للشخصيات

سبق وقلت إن بنية الرواية اعتمدت المثلث ذا الرؤوس الثلاثة:

  • آن موريس: تمثل الهوية الفرنسية الغربية تمثيلًا دقيقًا.
  • زكريا: يمثل الهوية السودانية الشرقية تمثيلًا دقيقًا.
  • ست النفور: تمثل الجيل الثاني، نتاج الجيل الأول من المهاجرين؛ جيل التائهين بين هنا (فرنسا – الغرب) وهناك (السودان – الشرق) تمثيلًا دقيقًا.

لم تتغير رؤيتي النهائية — بعد قراءتي لكامل الرواية — عن رؤيتي الأولى للنصف الأول منها. إذ لم أرَ في إضافة راشيل بعدًا إضافيًا يفيد في صلب الفكرة أو توطيد الموقفية من السرد الروائي. وما كان تضمينها داخل إطار العمل الأدبي المنجز إلا كمخرج لمعضلة البحث عن إبرة في كوم من القش (أخ زكريا لأبيه من الأم العشيقة آن موريس).

وكان من السهل — في رأيي الشخصي — التوصل إلى طريقة أسهل، ما دامت قد تمت في كل الأحوال عن طريق الصدفة البحتة. أقول هذا رغم القيمة الأدبية العالية التي أنجزتها الروائية في وصفها الشعوري الإنساني لهذا اللقاء — ست النفور مع حسنى — إذ انتزع عبراتي من مآقيها لتنهمر على صفحات خدي؛ كم كانت رائعة تلك المشهدية الوصفية! وكم أذهلني تجسيدها!

الشخصيات

  • قرشي: ذلك الجندي المجهول المثابر المحب الصابر؛ كنت أفتقده عندما يغيب، وأتألم في صمت معه عندما يحضر.
  • زكريا: عشته كما عاش، ورأيت ما رأى، وشعرت بما كان يشعر به كأنه أنا.
  • ست النفور: تجسيد حيّ نموذجي لجيل التائهين.
  • آن موريس: تجسيد حيّ نموذجي لكثير من النساء الأوروبيات في النصف الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وشغفهن الشديد بزيارة مستعمراتهن في الشرق، بل وهوسهن بالترحال والإقامة فيه، مأخوذات بسحره وعبق تاريخه.

 

ملاحظات نقدية

  • أنا كناقد لا اعتراض لي على ما يطرحه الكاتب من أفكار، ولا يحق لي الاعتراض أصلًا؛ فللمبدع أن يقول ما يشاء، شريطة أن يقنعني بأفكاره داخل متن إبداعه ومنطقيته ومسوغات تضمينه. أما القارئ فله أن يقبل الفكرة أو يرفضها.
  • المبالغة في الكم المعرفي المحتوى داخل المتن تجاوز المعقول، وزاد مما قد يراه البعض حشوًا زائدًا.
  • النص كان يحتاج إلى تدقيق لغوي (إملائي ونحوي).

 

خاتمة

أخيرًا أقولها بكل أريحية وثقة واطمئنان: سعدت جدًا بقراءة هذه الأيقونة الأدبية، مع خالص تمنياتي للمبدعة بمزيد من التقدم والارتقاء في سماء الأدب العربي والفرنسي معًا.

الأديب محمد البنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *