غزة في رواية “سلالة من طين، غزة الباكية” قمر عبد الرحمن قراءة للكاتب والناقد رائد الحواري

الكاتب/الأديب النبيل هو الذي يتماهى مع هموم شعبه وأمته، ويتناول قضاياها، مُظهرًا آلامها وطموحاتها. من هنا وجدنا الكثير من الأدباء والشعراء الفلسطينيين يتناولون حال شعبهم وما يتعرض له من إبادة وتطهير عرقي في غزة، حتى وإن كانوا يعيشون في المنافي البعيدة — أمريكا، روسيا، كندا، إسبانيا، أستراليا، هولندا وغيرها — فمع أنهم يعيشون في رفاهية، إلا أننا نجدهم منحازين لشعبهم، يكتبون وجعه وكأنهم يعيشونه لحظة بلحظة.

الكتابة عن مكان بعيد بالنسبة للفلسطيني مسألة طبيعية، لأن الكتابة ليست وصفًا خارجيًا للأحداث، بل اندماجًا نفسيًا وتماهيًا مع المكان والناس، والشعور بما يشعرون به. وهذا ما يجعل الكتابة الفلسطينية صادقة ومنتمية.

في فلسطين نحن مجزأون جغرافيًا إلى مناطق متعددة: فلسطين المحتلة عام 1948، الضفة الغربية، القدس، وغزة. والانتقال بينها شبه مستحيل بسبب الحواجز والإجراءات المشددة — أكثر من ألف حاجز في الضفة الغربية وحدها — لكن الفضاء الرقمي مكّننا من التواصل رغم القيود.

العدوان الوحشي على غزة دفع العديد من الكتّاب والأدباء والشعراء للكتابة عنها، كلٌّ في مجاله: القصة، الرواية، القصيدة، الخاطرة. فكانت نزهة الرملاوي أول من كتب عن العدوان في روايتها تراتيل في سفر روزانا، تلتها رواية المتوكل طه أخبار نصف جيدة، التي قدمت الواقع من خلال الفانتازيا الرمزية. وتأتي رواية “سلالة من طين، غزة الباكية” كثالث رواية تصدر في الضفة الغربية تتحدث عن غزة اليوم.

الأحداث وطريقة تقديمها

تتناول الرواية حياة أسرة فلسطينية تعيش في غزة.
“مريم”، المتزوجة من رجل دين يعاملها بقسوة، تُضرب وتُهان، وتعود مرارًا إلى بيت أهلها لعلهم يجدون لها مخرجًا. لكن والدها يعيدها في كل مرة إلى بيت زوجها مكرهًا:

“البنت مالها غير بيت زوجها… بدك نصير علكة بسلن الناس؟ اختصري يا مرا… ولا تقوي عين بنتك.” (ص64)

وتبرز الساردة قسوة المشهد من خلال اللغة الأدبية التي تلطف الألم:

“طمأنها وقبّل جبينها الذي جعده الهم قبل أوانه.” (ص17)

يستمر الزوج في تعنيفها حتى يحرقها، فتقرر الانتحار تاركة ابنتها الصغيرة “شفا”.
أما شقيقها “آدم” فيحاول إنصافها، لكنه يصطدم بسلطة الأب المتجبرة:

“من إمتى بناتنا بتروح على مركز الشرطة؟ أنا بقرر الكيل طفح أو لا؟ فاهم؟” (ص20)

ينتحر “مريم”، فيموت الأب حسرة وندمًا، بينما تبقى الأم متلقية للألم بلا فاعلية، أسيرة مجتمع ذكوري قاسٍ.

نساء الرواية مظلومات اجتماعيًا، والساردة منحازة لهن لغويًا ورؤيويًا، كما نرى في المقاطع التي تُؤنث فيها النور والخير، وتُذكّر فيها الظلمة والشر:

“تصر الشمس أن تبقى شوكة في حلقه، وتسعى لتكون نجمة تثير قلقه.” (ص9)

بل إن الساردة جعلت “البحر” و”ماء البئر” رموزًا للذكورة المؤذية، فهما يبتلعان الأحبة، كما تقول:

“يعتقد آدم أن البحر اختطف أخاه كما اختطف ماء البئر أخاه يوسف.” (ص44)

هذا الانفعال العاطفي جعل الساردة تفقد أحيانًا حيادها الفني لصالح الانحياز الكامل للأنثى.

الواقع السياسي

من خلال حوار “آدم” وخطيبته “هبة”، تنتقد الساردة الانقسام السياسي واللامبالاة تجاه معاناة الناس:

“يعني ما بنفع التفاوض إلا بعد ما يستشهد مية شهيد؟… كل عيلة عندها شهيد أو جريح أو فقدان كامل!
ولا حدا قلقان في وجعنا.” (ص136)

الاحتلال

تكشف الرواية وحشية الاحتلال الإسرائيلي في قصفه للمدنيين، وتوثق المأساة بالأرقام والمشاهد:

“أكثر من مئتي حالة تم انتشالهم من تحت الأنقاض… وهناك عائلات حُذفت بالكامل من السجل المدني.” (ص144–145)

تُستشهد “هبة” وهي تسعف الجرحى، ليكتمل المشهد المأساوي الذي يعكس القتل الممنهج والتطهير العرقي.

كما تتناول الرواية الاعتقال الإداري وما يرافقه من إذلال للأسرى وعائلاتهم:

“فوق تعسف الحكم الإداري، يحرموننا من زيارة الأقارب… وإن حصلت الزيارة يمنعون العناق والقبل والصور، إنها حروب نفسية متتالية نتلقاها يوميًا.” (ص56)

العنوان

العنوان المزدوج “سلالة من طين، غزة الباكية” يختزل ثنائية الرواية:
الطين يرمز إلى الجذر الإنساني وحياة البسطاء بما فيها من قسوة،
أما غزة الباكية فتمثل الوجه الآخر المأساوي تحت نيران الاحتلال.

والمفارقة بين الطين (المذكر) وغزة (الأنثى) تؤكد انحياز الساردة للأنثى المقهورة في مواجهة عالم قاسٍ وذكوري.

الأسماء

اختارت الكاتبة أسماءً رمزية تُعبّر عن المقاومة أو الدين أو الحالة الاجتماعية:
نضال، كفاح، أبو الوفا، أبو يافا، مريم، يوسف، آدم، هبة، أم صابر، شفا.

فحين تُميت الساردة “يوسف” و”مريم”، فإنها توصل رسالة رمزية عن رحيل الأبرياء، وحين تبقي المقاومين في الأسر، فهي تذكّر بأن الاحتلال يسجن كل من يقول “لا”.

أما “آدم”، فحين يلتقي “هبة”، ينتقل من التشاؤم إلى الأمل:

“ـ إن شاء الله، إذا بنستشهد بنتزوح في السماء.
ـ آآآخ، خلينا بالأول نتزوج في الأرض وبعدها بنتزوج في السما.” (ص161)

السرد

جاء السرد بضمير الغائب، على لسان راوٍ عليم، يمنح الشخصيات حرية التعبير، رغم وضوح سيطرة الكاتبة العاطفية على النص. فقد سمحت للأب أن يعرض منطقه الذكوري، لكنها وجّهت التعاطف دائمًا نحو الأنثى الضحية.

الناشر: منشورات الرقمية للنشر والتوزيع الإلكتروني – فلسطين، القدس
الطبعة الأولى: 2025

الكاتب والناقد رائد الحواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *