فبراير العاشق المتمرد للكاتب عبد السلام اضريف

مطر في الدروب، أناشيد للحرية، باقات ورد، فستان أحمر، قبلات وقصائد وحكايات عشق، ثورة لم تكتمل، وربيع يولد عسيرًا بعملية قيصرية. هذا هو فبراير؛ عاشق مرتبك، وثائر مبهم، متردد بين الغيوم والشمس، وبين الشتاء والربيع. شهر بأيام أقل، لكنه كثيف الذكريات والأحلام والأمنيات المجهضة في شهر يوليوز.

يأتي شهر فبراير نابضًا بقلب شاعر، دافئًا بمعطف ثائر، يوزع المناشير السرية في باقات الورد الأحمر، وينشد تحت المطر أغاني عاطفية بإسقاطات ثورية. وفي الشارع الملتهب، يتغزل في حبيبته بلافتة ثورية بإسقاطات عاطفية، تقول في وجه القمع والصور: “لن أركع إلا لحبيبتي”.

فبراير شهر الحالمين والساذجين، والثائرين على الركوع والقبل. هو شهر الحب والقبل، وشهر الغضب. ومن الركوع ما أغنى، ومن الكبرياء ما قتل.

في شهر فبراير، قبل عامين ودستور ووهم، وفي يومه العشرين، كانت هتافات شعب أراد الحياة تملأ الساحات والشوارع. كانت أصوات الحرية ترسم قصيدة عشق للوطن. كنا هناك جميعًا، وفرقتنا الأكاذيب والسبل. صدقنا نسمات مارس، وشمس يوليوز، ومسرحية نوفمبر، وتركنا حلم فبراير ينتهي متلبسًا بحشيش الحرية في الزنازين الباردة.

فبراير شهر كالوشم المحفور بالدم في ذاكرة الوطن، يقاوم التعتيم الرسمي ومحاولات إسقاطه من مفكرة التاريخ، يرفض أن يكون وهمًا، وينبعث من تحت رماد الشهور كالجمر، يذيب جليد الخوف والصمت، ويتسلل من جنح الظلام كأشعة الفجر.

فبراير شهر سيئ الحظ، عصي الفهم وحربائي. يكون قزحيًا أو ثلجيًا، وأحيانًا رماديًا، وفي أوقات التمرد يصير أحمر. شهر متعدد الفصول والطقوس والاستعمالات. يكون قنبلة موقوتة يهدد بتفجيرها الزعماء في هزائمهم السياسية، ويصير شعارًا مثاليًا يوظفه المتنافسون في الحملات الانتخابية، ولما تهدأ المعارك وتنتهي المسرحية، يلعن الجميع حركته الثورية ويتهمها بالكفر والعدمية.

فبراير شهر رومانسي ومتحرر. لا يفرض قيودًا عاطفية، ولا يطالب العاشقين بالأوراق الشرعية. يبيح الهيام والغزل، ولا يفرض تأشيرة على سفر الرسائل الغرامية. يوزع الهوى على المحرومين مجانًا، ويسمح بالحديث عن الحب في البرامج المسائية. لا تخيفه الفتاوى السلفية التي تتهمه بالفسق ونشر البدع الغربية. فبراير هكذا؛ مجنون ومتطرف في أيديولوجيا العشق والحرية، يعتبر الحب حقًا، وقانونًا، وفَرضًا، وضرورة وجودية.

فبراير، شهر متمرد على الشهور والفلك والنمطية. شهر مختلف وفريد واستثنائي. إن شاء، يصير عشقًا، وإن شاء، يصير حربًا، وإن شاء، يصير ثورة. وإن شاء، يكون صيفًا، أو زهرًا، أو ضجرًا، أو عاصفة. وإن شاء أن يرحل، لا ينتظر اليوم الثلاثين، يرحل هكذا فجأة ويمضي غاضبًا إلى لقاء الربيع.

اعتراف نرجسي:
في فبراير سقط رأسي في الرباط، ولا أدري كيف كانت أمي تضبط إيقاع خصوبتها لتمنح لبناتها الحياة في هذا الشهر المتمرد. ولا أدري لماذا اخترت اليوم أن أكتب عن فبراير. ربما كانت حيلة أنثوية لأذكّركم بعيد ميلادي.

وأجمل هدية تسعد امرأة تجاوزت الأربعين هي أن تنسوا عدد الشموع وعام مولدها، تذكروا فقط أنها وُلدت ذات ليلة ممطرة في شهر فبراير.

فاطمة الأفريقي

إنها الإعلامية المغربية فاطمة الأفريقي، الصحفية وصاحبة العديد من البرامج التلفزيونية الشيقة.
فاطمة الأفريقي نموذج للإعلامية الملتزمة، التي تركت بصمة ستبقى راسخة على مرافئ الزمن الإعلامي المغربي.

فكل التحية والتقدير للأستاذة فاطمة الأفريقي، ولكل إعلامية عربية.

الله غالب.

 الكاتبة عبدالسلام اضريف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *