فسيولوجيا قصة قصيرة للأديب نزار الحاج علي

واقفٌ منذ ثلاث ساعاتٍ وأربعٍ وأربعين دقيقةً وسبع ثوانٍ…
على الأقل هذا ما تقوله ساعتي التي توشك على الانتحار من الملل.

زعيمُنا العظيم، المفدّى، المُحرّر، المُصحّح…
يقف على المنصّة مثل تمثال،
يلقي خطابًا عن المنعطف التاريخي الذي تمرّ به الأمّة حاليًا،
أو هكذا يبدو…
لأنه استغرق كل تاريخنا الماضي بالفعل.

الآن تجاوز الأربع ساعات…
وها هو يخوض معارك وهميّة ضد أعداء لا وجود لهم.
أنا على يقين الآن أنه سيمتد بخطابه هذا إلى آفاق المستقبل أيضًا.

آها…
تمكنتُ أخيرًا من تلك الذبابة اللعينة التي كانت تطير حول رأسي…
ها هي تسقط ميتة.

أحدّث نفسي باعتزاز:
– يبدو أنّني أصبحت قاتلًا محترفًا للذباب…
هذه الحركة يجب أن تُدرّس للأجيال.

– ههه… عصفوران بحجر واحد:
تصفيقٌ للزعيم… وقتلٌ للذباب.

أتلمّس وجهي بسرعة لأتأكد أنني لا أبتسم…
حاولتُ أن أتذكر كل الأشياء الحزينة في حياتي كي لا أضحك…
أو أفعل شيئًا آخر.

فكّرتُ في فاتورة الكهرباء، في زحام المرور، في إيجار البيت…
لم ينجح شيء.

– سأفرك وجنتي قليلًا…
ألوي شفتي من الجهة اليسرى للأعلى…
وأغمض عيني قليلًا…
محاولًا الإيحاء لمن حولي بأنني تعرضتُ لشدٍّ مفاجئ في وجهي…
لأبعد عني أي احتمال أنني كنتُ أبتسم.

هذه الحركة تنفع دائمًا…
ههه… الحمد لله على نعمة الذكاء.

يا إلهي… الآن جاء دور ساقَيّ المزعجتين.
يبدو أنهما تخوضان حربًا أهلية،
إحداهما تتآمر على الأخرى.

لا أستطيع لومهما على ذلك؛
فأنا شخصيًا أشعر وكأنني واقف هنا منذ عهد الفراعنة،
وأنّ الزعيم في أي لحظة سيتحدث عن كيفية بنائها في عهده الميمون!

فجأة… يحدث الأمر الذي كنتُ أخشاه.
أحتاج إلى الذهاب إلى الحمّام.
بشدّة.

أصبحتُ أتطلع إلى المخرج
كما يتطلع الغريق إلى شاطئ النجاة.

لكن رجال الأمن المنتشرين كالصبّار في يومٍ عاصف
يبدون وكأنهم يقرأون أفكاري.

أحدهم نظر إليّ فجمّدتُ حتى ابتسامتي.

هل أجرؤ أن أكون أول المغادرين؟

كان رجل الأمن بقربي ينظر إلي وكأنه يقرأ أفكاري:
– لا تفكّر بالمغادرة أيها الشقي…
فأنت لن تصل إلى الحمّام حتى…

أقسم أنني سمعته وهو يحدّث نفسه بذلك!

يا إلهي…
الزعيم ينتقل الآن بحديثه عن إنجازات قطاع الزراعة منذ عام 1970
وأنا أحاول أن أتحكم في عضلاتي
كما يحاول السياسي التحكّم في وعوده الانتخابية.

هذا يعني أننا ما زلنا في بداية الخطاب التاريخي…
ما زال هناك قطاع التعليم…
والصحة…
والصناعة…
والسياحة…
و… و…

يا إلهي… ألا يملّ أبدًا؟

أنظر إلى الرجل الذي يعلو رأسه الشيب.
أسمعه وهو يحدّث نفسه:

– الزعيم محق تمامًا بوقوفه هنا لساعات…
فالدولة أعطته مئات السيارات… والخدم… والحشم…
وعشرات القصور…
والله لو أعطوني دراجة هوائية
لقفت خطيبًا في هؤلاء البلهاء لمدة عشر ساعات!

يضحك… دون أن تظهر أي علامة على وجهه.

يعجبني تحكّمه بملامحه…
لكن أحمد الله أن أحدًا لم يقدّم له دراجة هوائية.

آها… اكتشفت الحل!
سأنضم إلى مجموعة “المتطوّعين”
الذين يحملون أعلام العدوّ لحرقها كالعادة
وهم يهتفون في المقدمة:

– الموت للعدو!
– الموت للشيطان الأكبر!

وبحركة بهلوانية…
أتناول العلم من يد أحدهم،
ألقيه أرضًا،
بيدٍ أفكُّ سحاب البنطال،
وبالأخرى أخفض البنطال…
وأتبول عليه بكل ما أوتيت من قوة.

لكن…
يبدو أن الجميع يفكّر بالفكرة نفسها!

هناك طابور طويل من الرجال
ذوي الوجوه الشاحبة
والخطوات المتشنّجة،
يتجهون جميعًا إلى الأمام…
بيد يمسكون السحاب،
وبيد يخفضون البنطال…
وهم يهتفون:

– الموت للعدوّ الأكبر!

أحدّث نفسي وقد شعرتُ ببعض الارتياح:

في المرة القادمة،
سأرتدي حفّاضات للكبار
لأنه، وفي ظلّ هذا الحماس الثوري…
قد نعقد معاهدة سلام مع العدو!

الأديب نزار الحاج علي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *