أثير، وأنا أدرّس مساق الأدب الفلسطيني في جامعة النجاح الوطنية، أثير في بداية كل فصل دراسي السؤال التالي: ماذا نقصد حقاً بالأدب الفلسطيني الحديث؟ وأتبعه بسؤال ثان هو: من هو الأديب الفلسطيني؟ وغالباً ما احتاج إلى محاضرتين للإجابة عن هذا السؤال إجابة لا تشفي غليلي أو غليل الطلبة. وها أنا أختار هذا العنوان لأكتب فيه، لا لأنه الأفضل الذي أجيد فيه الكتابة، وإنما لأنه، لي، مثل حتى للنحويين الذين ماتوا وفي أنفسهم شيء منها، حتى هذه التي حتّحت قلوبهم، فكان الله في عونهم.
وأتساءل عن بداية وجود أدب فلسطيني تساؤلي عن مكان هذا الأدب، تماماً مثل سؤالي الذي أثرته، ابتداء، عن الأديب الفلسطيني. وليس هذا بجديد، فقد خاض فيه، من قبل، الدكتور عبد الرحمن ياغي في كتابه “حياة الأدب الفلسطيني الحديث من أول النهضة… حتى النكبة” (1963)، وكتب عن “شخصية فلسطين الأدبية في التاريخ العربي”، وحدّد زمان دراسته، وبذلك أعطى جواباً للمتسائل عن زمكان الأدب الفلسطيني حتى عام 1948، العام الذي توقف الدارس عنده.
ولكنّ الأمر تعقد بعد النكبة تعقداً عجيباً غريباً تعقد القضية الفلسطينية نفسها. وهكذا أصبحت إجابات الدكتور ياغي لا تشفي الغليل. فالفلسطينيون الذين عاشوا حتى عام 1948 في فلسطين الممتدة من النهر إلى البحر، ومن رأس الناقورة حتى رفح، وجدوا أنفسهم وقد تفرقوا أيدي سبأ. وقد نجم عن هذا إشكالات عديدة سوف تتضح في سياق هذه الورقة.
ولكي يجيب المرء عن العنوان المقترح، عليه أن يسترشد ببعض من خاضوا في المعايير التي تحدد هوية أديب ما أو أدب ما. وهذا ما وقف عنده، إن لم تخني الذاكرة، (Manfred Fischer) الألماني في رسالة الدكتوراه التي أعدها ونشرها عام 1981. فقد ناقش المعايير وضرب أمثلة على الحيرة التي يجد الدارس نفسه أمامها وهو يدرس أدب (الالزاس واللورين) المنطقتين اللتين يكتب أدباؤهما باللغتين الألمانية والفرنسية، المنطقتين اللتين خضعتا تارة للسيطرة الألمانية وطوراً للسيطرة الفرنسية. وما من شك في أن بعض أدباء هاتين المنطقتين انحاز، وهو يكتب، لطرف ما فكراً وسياسةً.
ويجد المرء نفسه، عموماً، أمام عدة قضايا، وهو يعالج إشكالية تحديد هوية الأديب والأدب، هي:
-
اللغة.
-
الهوية السياسية.
-
الموضوع.
-
المكان.
-
الفكر الذي يؤمن به الكاتب ويعتنقه ويدافع عنه.
وسوف أتناول، وأنا أكتب عن فلسطينية الأدب والأديب، هذه النقاط بقدر من التفصيل، وسأضرب العديد من الأمثلة التي تؤيد معياراً ما أو تنقضه، آملاً أن يثري النقاش ما ورد في هذه الورقة، فلعلنا نتوصل معاً إلى إجابات شافية وافية نطمئن إليها جميعاً، ونعتمد عليها في أثناء معالجة العنوان المحدد.
ولنبتدئ بفحص معيار المكان. اعتمد الدكتور ياغي، كما ذكرت ابتداء، هذا المعيار، ويبدو أنه وفق فيه لأن فلسطين، حتى عام النكبة، كانت موطن أبنائها كلهم، الكتاب منهم وغير الكتاب، الذين غادروها طوعاً لا قسراً، إما لاكمال تعليمهم أو لسبب آخر. ولكنهم ما أنهوا تعليمهم أو مهماتهم حتى عادوا ليواصلوا حياتهم ويسهموا، بدورهم، في الحركة الثقافية ونهوضها. وهكذا قرأنا، لكتاب عديدين، نصوصاً كتبوها ونشروها في صحف بلادهم أساساً. قرأنا لخليل بيدس ولمحمد عزة دروزه ولمحمود سيف الدين الإيراني ولإبراهيم طوقان ولعبد الكريم الكرمي ولعبد الرحيم محمود ولنجاتي صدقي ولإسكندر الخوري البيتجالي ولإسحاق موسى الحسيني. كما قرأنا للبناني المولد وديع البستاني الذي أقام فترة في فلسطين ونشر ديواناً شعرياً تحت عنوان “فلسطينيات”، لأنه كتب في الموضوع الفلسطيني.
ولما كانت النكبة، فقد تفرق من بقي من هؤلاء على قيد الحياة في بلدان الشتات. أقام الكرمي في دمشق وصدقي في بيروت والإيراني في عمان. وأصبح المعيار المكاني، إذا اعتمدنا فلسطين وحدها جغرافيا، غير صالح لتحديد هوية فلسطينية الأدب والأديب، اللهم إلا إذا نظرنا إليها – أي إلى فلسطين – باعتبارها وطناً روحياً لا بقعة جغرافية ذات حدود بارزة معروفة. ونضيف، إلى ما سبق، أن عدداً لا بأس به من الكتاب الذين يصنفون أنفسهم، الآن، على أنهم كتاب فلسطينيون، ولدوا في مخيمات الشتات، أو بدأوا يكتبون وهم في أماكن بعيدة عن فلسطين. ولدت سميرة عزام في عكا، ولكنها نشرت نصوصها وهي في المنفى. ولم يتجاوز كنفاني، حين هاجر وعائلته، الثانية عشرة من عمره، ولما اشتد ساعده في الكتابة نشر قصصه في دمشق والكويت وبيروت. فأين يدرج أدب هذين، إذا اعتمدنا المكان معياراً وحيداً؟
ويرتبط الحديث عن المعيار المكاني بالحديث عن المعيار السياسي. لقد ألحقت الضفة الغربية بعد 1948 بالأردن لتصبح جزءاً من المملكة الأردنية، وتبع قطاع غزة، إدارياً، مصر، وأصبحت فلسطين في جزئها المحتل دولة إسرائيل. ولم يعد هناك، باستثناء وثيقة السفر التي حصل عليها أبناء قطاع غزة والمهاجرون إلى سورية ولبنان، ما يدلل على هوية سياسية فلسطينية.
واعتماداً على هذا المعيار الظاهري الشكلي لا يتجاوز الأدباء الفلسطينيون عدد أصابع اليدين، ولن نجد أدباء بارزين سوى قلة قليلة هم: معين بسيسو وهارون هاشم رشيد من غزة، وغسان كنفاني وسميرة عزام ويوسف الخطيب في سوريا ولبنان. وبعض هؤلاء تحديداً حصل على جواز سفر البلد الذي أقام فيه. وسوف يخرج، هنا، عن الإطار أولئك الأدباء الذين حملوا الجنسية الأردنية أو الإسرائيلية أو غيرهما. ولا أعتقد أن هذا المعيار معيار يصح اعتماده، وإن كانت ثمة إشكالات تنجم عن رفضه. فهناك أدباء، ممن يحملون هذه الجنسية أو تلك، يعلنون صراحة عن انتمائهم السياسي، ويدينون بالولاء، سياسياً، لهذه الدولة أو تلك.
وتبدو الأمور، الآن، أوضح ما تكون لدى أدباء الداخل الذين نظر الدارسون في العالم العربي إليهم على أنهم كتاب مقاومة. لقد أخذ هؤلاء الأدباء يعلنون صراحة أنهم إسرائيليو الجنسية، يستوي في ذلك من اعتبر، من قبل، أديب سلطة مثل محمود عباسي ومصطفى مرار، ومن هاجم هؤلاء واعتبر أديب مقاومة مثل سميح القاسم وحنا إبراهيم وإميل حبيبي… الخ. ويختلف عن هؤلاء الأدباء أولئك الذين يحملون جواز سفر صادراً عن دولة عربية، ولكنهم انتموا إلى م.ت.ف وسجنوا بسبب تأييدها والدفاع عن سياستها، أو غادروا البلد الذي يحملون جواز السفر الصادر عنه، مؤثرين الانضواء تحت لواء المنظمة والإقامة في أماكن وجودها، ابتداء من الأردن، مروراً ببيروت وتونس، وانتهاء بالعودة إلى أرض الوطن ليحملوا الهوية الفلسطينية. ويدرج إلى جانب هؤلاء، أدباء الضفة الغربية وقطاع غزة، وبخاصة الذين عاشوا في هاتين المنطقتين منذ عام 1967، وأعلنوا، بدون مواربة، انتماءهم إلى الشعب الفلسطيني، فكتبوا من أجل إنجاز مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة استقلالاً حقيقياً. وهنا يدرج المرء أسماء عديدة كثيرة منها: أحمد دحبور ويحيى يخلف وغسان زقطان وزكريا محمد وغريب عسقلاني وزكي العيلة وأكرم هنية ومحمود شقير… الخ. ويقف المرء، أمام أسماء أخرى، موقف الحائر، وذلك أنها ما زالت تقيم في الأردن، وهي: إبراهيم نصر الله ويوسف عبد العزيز وفخري صالح. لقد كتب هؤلاء أدباً في فلسطين وعنها، وأعلنوا، في كتاباتهم، انحيازهم الواضح لها، ولكنهم يحملون الهوية الأردنية التي إذا ما اعتبرناها معياراً أدرجناهم ضمن الكتاب الأردنيين، وهو ما هم عليه ظاهرياً، فهم أعضاء في رابطة الكتاب الأردنيين، ويشاركون في الحياة الثقافية الأردنية مشاركة فعالة.
وماذا إذا اعتمد المرء الموضوع معياراً. هل ينظر فقط إلى الكتابات التي كتبت في فلسطين على أنها أدب فلسطيني؟ وهل يعد الأديب الذي كتبها، بغض النظر عن مكان ولادته وهويته السياسية، فلسطينياً؟
ثمة أدباء فلسطينيون لم يكتبوا بروح فلسطينية – إن جاز هذا التعبير. فأين ندرج أدب هؤلاء الذين ولد قسم منهم قبل عام 1948 ونشر كتاباته بعد العام نفسه في فلسطين نفسها؟ ومن هؤلاء محمود عباسي ومصطفى مرار في معظم ما كتباه في أكثر مراحل حياتهما، لأن الثاني، في فترة قريبة، أخذ يكتب بطريقة مغايرة لما كان يكتبه في بداية حياته الأدبية.
وثمة أدباء عرب كتبوا في الموضوع الفلسطيني مثل أديب نحوي صاحب رواية “عرس فلسطيني”، وعيسى الناعوري ووديع البستاني ونزار قباني… الخ. وهوية هؤلاء السياسية سورية وأردنية ولبنانية، بحكم مولدهم. فهل نعتبرهم أدباء فلسطينيين؟
ونذهب إلى أبعد من ذلك لنرى كاتباً فرنسياً هو (جان جينيه) يكتب في فلسطين نصاً من أجمل النصوص النثرية هو “أسير عاشق”. وقد زار جينيه قواعد الفدائيين في الأردن، كما زار مخيماتهم في لبنان، وتعاطف مع اللاجئين تعاطفاً واضحاً. فهل نعتبره أديباً فلسطينياً؟
ما من شك في أن المرء، هنا، يفضل أن يدرج كتابات هؤلاء تحت عنوان آخر هو “موضوع فلسطين في الأدبين العربي والعالمي”. وإن كان، اعتماداً على الموضوع وحده، يتساءل أيهما أكثر فلسطينية (جان جينيه) أم عطا الله منصور الذي كتب رواية “وبقيت سميرة” (1962)، وانحاز فيها – هكذا تقول روح الرواية – إلى حياة الإسرائيليين؟ لقد ولد الأول في فرنسا، خلافاً للثاني الذي ولد في فلسطين. ويخيل لقارئ نصيهما أن الأول فلسطيني والثاني إسرائيلي.
فإذا ما انتقلنا إلى المعيار اللغوي لتحديد هوية الأدب والأديب، وجدنا إشكالات عديدة. فليس ثمة لغة يكتب بها أهل فلسطين، ممن ولدوا فيها قبل عام 1948، ليورثوها إلى أبنائهم الذين عاشوا، فيما بعد، بعيداً عن فلسطين. يتكلم الفلسطينيون العربية وبها يكتبون. وإذا ما اعتمدنا اللغة معياراً اعتبرناهم أدباء عرباً يقيمون في إقليم تعرض للمأساة فأنتج أدباً ذا مواصفات محددة كتبه أبناء ذلك الإقليم وأبناء غيره من المناطق العربية.
ونشير هنا إلى أبناء فلسطين الذين كتبوا بلغات أخرى غير العربية، مثل جبرا إبراهيم جبرا الذي كتب روايته “صيادون في شارع ضيق” (1960) بالإنجليزية، وأنطون شماس الذي كتب روايته “عربسك” (1986) بالعبرية، وإبراهيم الصوص الذي كتب روايته “بعيداً عن القدس” (1986) ونصوصاً أخرى بالفرنسية. فإذا ما اعتمد الدارس اللغة معياراً وحيداً لتحديد هوية الأدب والأديب أدرج نصوص هؤلاء وأصحابها ضمن أدب اللغة التي كتبوا بها نصوصهم هذه، تحديداً. وهكذا يصبح جبرا أديباً عربياً وأديباً إنجليزياً في الوقت نفسه، على الرغم من أن نصه، مثل نصوص شماس والصوص، تمحور حول المأساة الفلسطينية. وسوف تدرس نصوص هؤلاء، حين يدرس الدارس أدباً ما معتمدا المعيار اللغوي، ضمن الآداب الإنجليزية والعبرية والفرنسية، وهو ما تمّ أصلاً. لقد قمت مؤخراً بترجمة دراسة عن صورة العربي في الأدب الإسرائيلي المعاصر لدارسة ألمانية هي (Ute Bohmeier)، ونشرتها على صفحات جريدة الأيام في تشرين أول وتشرين ثان (1996). وقد لفت انتباهي فيها أنها درست رواية شماس باعتبارها جزءاً من الأدب الإسرائيلي، وذلك لأن الرواية كتبت بالعبرية. ويبدو أن الكاتبة لم تعتمد المعيار السياسي وحده وحسب، وإلا لدرست سميح القاسم وإميل حبيبي، وإنما اعتمدت المعيار اللغوي. ووجدتني مضطراً لاستبدال كلمة من العنوان بأخرى، ليصبح العنوان “في الأدب العبري المعاصر”. والكاتبة نفسها تشير، في أثناء مراجعتها لرسالة الدكتوراه التي أنجزتُها بالألمانية تحت عنوان “صورة اليهود في الأدب الفلسطيني بين عامي 13-1987”، إلى أن سكان الضفة والقطاع هم الفلسطينيون الوحيدون غير المدجنين. (انظر: جريدة الأيام، 3/10/1996). ولم تختلف الدكتورة (انجليكا نويفرت) في دراستها قصيدة محمود درويش “عابرون في كلام عابر”. لقد رأت أن المخاطبين – بكسر الطاء – هم أهل الضفة الغربية وقطاع غزة. (نشرت دراستها عن القصيدة في مجلة Orient عام 1988، وقد نقلتها أنا إلى العربية، ولم تنشر الترجمة حتى الآن).
ويبقى المعيار الأخير وهو الفكر الذي يعتنقه الكاتب ويؤمن به ويدافع عنه، وبناء عليه تبرز رؤيته للمشكلة الفلسطينية.
لقد تعددت رؤى الكتاب الفلسطينيين وأفكارهم، فمنهم من آمن بالفكر الإسلامي، ومنهم من اعتنق الماركسية، ومنهم من تبنى الفكر القومي. وهكذا تعددت زاوية الرؤية وتعدد المنظور، وأصبحت فلسطين جزءاً من عالم أوسع وأرحب. رأى الماركسيون في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وجهاً من وجوه الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية. وذهب القوميون إلى أنه صراع عربي – صهيوني، ونظروا إلى فلسطين على أنها جنوب سوريا. وقال المسلمون إن فلسطين جزء من الديار الإسلامية التي لا يقرر الفلسطينيون وحدهم أمر البت فيها وفي مصيرها.
واختلف الأمر حين بادرت م.ت.ف بأخذ زمام الأمر، ونادت، تبعاً لذلك، بحق سكان فلسطين في الدفاع عن فلسطين، لأنها – أي م.ت.ف – رأت في الرؤى الأخرى ما لا يحقق طموحات الشعب الفلسطيني، وفي أصحابها أفراداً غير واقعيين. وانضوى كثير من الكتاب تحت راية المنظمة، وتبنوا الآراء السياسية التي رفعتها، وكتبوا أدباً يجسد تلك الآراء ويعكسها. ويمكن، انطلاقاً من هذا، إدراج الكاتب الفلسطيني الذي كتب انطلاقاً من هذا، على أنه أديب فلسطيني. وربما شذ عنه ذلك الكاتب الذي أخذ ينظر إلى فلسطين على أنها الضفة والقطاع فقط.
اعتماداً على ما سبق يستطيع المرء أن يقول: إن أياً من المعايير الخمسة الآنفة الذكر لا تكفي وحدها لتحديد هوية فلسطينية الأدب والأديب. وأرى، شخصياً، أن الأديب الفلسطيني هو الأديب الذي يلتزم بكتابة الحقيقة كاملة دون تزييف أو تزوير أو انحياز لرؤية فكرية أو مبدأ فكري يحرفه عن قول الحقيقة وكتابتها، وهو ما برز في نصوص بعض الماركسيين والقوميين والمسلمين.
والذي أقصده بقول الحقيقة يكمن في الكتابة عما جرى منذ عام 1882 وما نجم عنه من مآس ألمت بالشعب الفلسطيني في جميع المناطق، دون أدنى اعتبار للمصالحات السياسية أو القومية، المصالحات الآنية التي تفرضها على السياسي معطيات الواقع التي ما كانت، حتى الآن، أبداً لصالحه. إن الأديب الفلسطيني هو الذي يكتب عن نكبات 48، 67، 70، 76، 82، 87، وهو الذي يكتب عن حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم، وهو الذي يسمي القاتل قاتلاً والسارق سارقاً، وهو الذي يعكس آمال شعبه وآلامه بصدق تام.
وقد يرى بعض الدارسين في الأديب الفلسطيني ذلك الأديب الذي ولد على أرض فلسطين أو في أحد مخيماتها، أو لأبوين فلسطينيين، بغض النظر عن مواقفه السياسية والفكرية وعن اللغة التي يكتب فيها أو المكان الذي يقيم فيه. وأننا حين نصف أديباً بأنه فلسطيني فإنما نقصد الأدباء على اختلاف آرائهم وانتماءاتهم: الوطني الملتزم وغير الملتزم، الشريف والخائن، المنتمي للوطن والمنتمي لمصالحه الفردية، الذي يكتب بالعربية والذي يكتب بأية لغة من اللغات الأخرى. وأننا حين نكتب عن أدب فلسطيني وأدباء فلسطينيين فإنما يجب أن نكتب عن هؤلاء كلهم. ويجب ألا نفعل ما فعله غسان كنفاني في كتابه “الأدب الفلسطيني المقاوم بين عامي 48 و1968”. لقد أسقط الأدباء الفلسطينيين الذين لم يكتبوا أدباً مقاوماً ولم يلتفت إلى أدبهم، وميز بين توفيق زياد ومحمود درويش وإميل حبيبي وسميح القاسم… الخ وبين محمود عباسي ومصطفى مرار وآخرين هادنوا السلطة الإسرائيلية. وهكذا يكون الأدب الفلسطيني، انطلاقاً من هذه الرؤية، أكبر من الأدب المقاوم وحده. ويأخذ المرء بها حين يكتب عن الأدب الفلسطيني لا عن فلسطينية الأدب والأديب. فليس هناك من شك في أن كاتباً ولد في فلسطين لأبوين عربيين وينحاز، في الوقت نفسه، للرؤية الإسرائيلية أو لغيرها من الرؤى التي لا تقول الحقيقة كاملة هو كاتب فلسطيني الأصل. ولكني أدبه، من وجهة نظري، ليس أدباً ينتمي إلى فلسطين العدالة، كما أنه لا يعتبر فلسطيني الهوى أو أديباً فلسطينياً بالمعنى المجازي للكلمة لا المعنى الحرفي لها. فهل يمكن أن نضع محمود درويش وعطا الله منصور في سلة واحدة؟
ولعل النقاش حول هذه القضية، قضية فلسطينية الأدب والأديب، يثري هذه الكتابة ويعمقها ويوسع من آفاقها.
(1)
لتوضيح ذلك فسوف أختار، ابتداء، ثلاثة نصوص أدبية كتبت بين عامي (48-1967)، لثلاثة أدباء عاشوا في المنفى. وقد أطلق الدارسون على الأدب الذي كتب، في حينه، في الشتات مصطلح أدب النكبة، وناقشوا خصائصه على صفحات مجلة “الأفق الجديد” التي صدرت في الستينيات من هذا القرن.
وتعود النصوص الثلاثة إلى عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) وماجد أبو شرار وغسان كنفاني، وتتراوح ما بين قصيدة وقصة قصيرة وأخرى طويلة. اخترت قصيدة “المشرد” من ديوان “المشرد” الذي صدرت طبعته الأولى عام (1953). واخترت قصة ماجد “الخبز المر” التي نشرت عام (1959). قبل أن تصدر قصة كنفاني الطويلة “رجال في الشمس” التي نشرت عام (1963)، وأدرجها الدارسون ضمن جنس الرواية، دون أن يميزوا ما بين الرواية والقصة الطويلة.
ويختلف عبد الكريم الكرمي عن ماجد وغسان في أنه ينتمي إلى جيل أدبي بدأ يكتب الأدب قبل عام (1948)، جيل توفي أو استشهد معظم أدبائه، في حين بدأ الاثنان الكتابة في الخمسينيات، ولم يكونا، يوم كان أبو سلمى يكتب، قد ولدا.
ويلحظ قارئ نصوص هؤلاء الثلاثة التي كتبت في المرحلة نفسها أن أدب المنفى يكاد يتشابه من حيث الثنائيات التي عقد عليها تشابهاً كبيراً. ويعود ذلك، كما أرى، إلى تشابه التجربة التي مر بها معظم أدباء الخمسينيات ومنتصف الستينيات. ويستطيع المرء أن يذكر عناوين قصائد وقصص وروايات لكتاب آخرين لم تشذ الثنائيات التي عقدت عليها عن تلك التي نلحظها في النصوص الثلاثة الوارد ذكرها آنفاً. وحتى فدوى طوقان التي عانت ما عانت بسبب تجربتها الشخصية التي أوضحتها في مذكراتها، وظلت نتيجة لها أسيرة منزلها وعزلتها وذاتها المدمرة. حتى فدوى التي كتبت عن هموم الذات وغربتها وضجرها واستلابها لم تشذ، في بعض قصائدها، عن النغمة العامة التي برزت في أدب تلك المرحلة. ولا يجد المرء، مثلاً، في قصيدتها “نداء الأرض” التي نشرتها في مجموعتها “وجدتها” نغمة مغايرة عن قصائد ديوان أبي سلمى “المشرد”.
ويمكن قول الشيء نفسه عن القاصة سميرة عزام هذه التي ركزت في كثير من قصصها على تصوير المرأة وهمومها ومعاناتها وما يلم بها في مجتمع أبوي. وسيجد قارئ قصصها في قصة “فلسطيني” وقصة “لأنه يحبهم” حضوراً للموضوع الفلسطيني يتوازى وحضوره في نصوص كنفاني ذات النكهة الفلسطينية مثل “رجال في الشمس” و “أرض البرتقال الحزين” و “ما تبقى لكم”.
وتعتبر قصيدة “المشرد” نموذجاً جيداً لتمثيل شعر الخمسينيات. ولا أبالغ إذا قلت إن النصوص الشعرية والنثرية التي كتبها الشعراء والقصاصون ليست سوى تنويع على الفكرة نفسها وتوسيع لها، أو كتابتها بأسلوب مختلف الشكل. وسوف يبرز هذا بوضوح، إذا ما قرأها المرء أولاً، ثم وقف عند نصي ماجد وغسان المذكورين، وأمام نصوص أخرى كتبت في المرحلة نفسها، ثانياً.
تعقد القصيدة، أساساً، على ثنائية محورية أساسية هي ثنائية الشتات والوطن، وتتفرع عنها ثنائيات أخرى أبرزها ثنائية الآنا والآخر، هذه التي تنقسم بدورها إلى ثنائية الأنا اللاجئ والآخر العربي الحاكم، وإلى ثنائية الأنا العربي والآخر العدو. والثانية تنقسم بدورها، وهو ما يبدو في نصوص أخرى للشاعر، إلى العدو اليهودي والعدو البريطاني. تماماً كما أن أنا اللاجئ تنقسم إلى أنا الباكي وأنا الحاث على التمرد الرافض للذل ولحياة المنفى.
وتقوم القصيدة، على صعيد الزمن، على ثنائية الحاضر والماضي؛ الحاضر البائس والماضي الذي يحن الشاعر إليه، كما لو أنه الجنة المفقودة. ويدعو، بناءً على ذلك، إلى الثورة على الحاضر للتخلص من تبعاته: النفي والشتات والذل. وعلى الرغم من أن الماضي يبدو في النص عابراً، تماماً كما يبدو في النصوص كلها، وأعني النصوص الثلاثة، إلا أن له حضوره. إنه الغائب الحاضر، الغائب المنشود في الوقت نفسه لأنه النقيض للحاضر الذي يلقي بثقله على المتكلم، الحاضر الذي يعيش اللاجئ تفاصيله الصعبة.
وسوف أختار من القصيدة الأبيات التالية التي تبرز فيها تلك الثنائيات المذكورة:
يا أخي !… أنت معي في كل درب فاحمل الجرح وسر جنبا لجنب
الوشــــاحات تعـــــرى زهــرهـــا بعدما كانت موشاة بِسُـــــحْبِ
يا رفاق الدهر ! هل شـــــــــردكم غـــدر عــــــــدو أم محــــب
زعمــــــاء دنســــــوا تاريخكــــم وملوك ! .. شــردوكم دون ذنب
دول تحـســــــبها شـــــــــرقية وإذا أمعنت فالحاكم غربــــي
يا فلسطين ! وكيف الملتقــــــى ؟ هل أرى بعد النوى أقدس ترب
عبـــق السؤدد فـــي ذراتــــــه وأناشيد الهوى في كل مهـــب
كفكف الدمع وســـــر في أفــــق حافل بالأمل الضاحك، رحب
وتقوم قصة “الخبز المر” التي يسردها نعيم عن أبي خميس صديقه في العمل، على الثنائية نفسها. يعمل الاثنان معاً في منجم قرب الرصيفة، ويكدّان حتى يحصلا على قوت عيالهما. ويواصل أبو خميس الذي يعيل زوجته وخمس بنات العمل، على الرغم مما يلم به من مرض. إنه يريد أن يعلم بناته وأن يطعمهن. ولأن ودا ينشأ بينه وبين نعيم الذي يطمئن له، نجده يفيض بمكنون أسراره له، فيحدثه عن مرض زوجته وجشع الطبيب، ويقص عليه أحياناً شيئاً عن ماضيه. وهكذا تبرز ثنائية الوطن – الشتات أو الماضي – الحاضر، تلك التي بدت واضحة في نص أبي سلمى.
يسرد نعيم ما يلي:
“حدثني عن كل دقائق حياته، عن يافا، عن بساتين البرتقال التي تشبه سماء خضراء مرشوقة بنجوم صفراء لامعة حيث تنتهي هذه السماء بأفق رملي أشقر فاتن، حدثني عن معمله الصغير الذي تركه هناك وترك معه شظايا قلبه الذي تفجر حزناً على ابنه البكر وهو يقضي هناك في سبيل بلده. حدثني عن شقاء ما بعده شقاء عاشه بعد أن ترك يافا.. لقد عرفت معنى الجوع المجرم، وذقت طعم الذل المحرق، وصارعت لسعات البرد القارص، وعشت مرارة فقد الولد تلو الولد.”
حقاً إن ثنائية الأنا والآخر العدو أو الآخر العربي الحاكم لا تبرز في هذه القصة، وإن برزت ثنائية العامل المظلوم والبرجوازي الجشع متمثلاً في الطبيب. إلا أنها تبرز في قصص المجموعة. وهذا ما يبدو، على سبيل المثال، واضحاً في قصة “أفاعي الماء” (1964) التي تصور، بإيجاز، أجواء القمع في عاصمة عربية. يخبرنا سارد القصة عن أخيه صخر الذي يموت في العاصمة، وينهي السارد القصة واصفاً حالته التي ألمت به، وهو هناك، حيث ذهب للبحث عن أخيه:
“وأغادر الفندق وشمس المدينة لا زالت تلهث في طيات السحب، والمطر ينهمر بغزارة تغيظني.. وأشجار البساتين حول المدينة ما عادت تذكرني ببيارات ساحل بلدي المسروق.. بل تبدو في عيني عيدان مشانق والغيمات من فوقها أسراب غربان كثيفة، وأفاعي الماء لا زالت تتلوى بنذالة في وحل الشارع، والعربة المنهوكة لا يزال يركبها مخلوق ملفوف بحرام خلق أسود ترك أمر الجر والقيادة بحكم الموقف للحمار.”
وليس هناك من شك في أن العبارة الأخيرة ذات دلالة رمزية سرعان ما تتضح من خلال إمعان النظر في السياق، عدا أن القصة توضح تلك الثنائية المشار إليها، الثنائية التي بدت في نص أبي سلمى واضحة وضوحاً لا يحتاج إلى إبانة وإفصاح. فمقتل الأخ في عاصمة عربية هو ضرب من تشريد المحب وغدره، تماماً كما أن أشجار البساتين في العاصمة بدت للسارد غريبة لا قريبة من بيارات ساحل بلده المسروق.
وتبدو ثنائية الأنا والآخر العدو بارزة في قصة “مكان البطل” (1960) التي أهداها إلى روح البطل إبراهيم أبو دية.
ولا تشذ قصة نجاتي صدقي من مجموعته “الشيوعي المليونير”، “عنبر رقم 5”، عن قصة ماجد. إنها تقوم على الثنائية نفسها وإن اختلفت التفاصيل وطبيعة الشخصيات وسلوكها في تعاملها مع الواقع.
وتتشابه قصة كنفاني الطويلة “رجال في الشمس” مع نصي أبي سلمى وأبي شرار. تجرى أحداث القصة التي نشرت عام (1963) في الخمسينيات، وتحديداً بعد عشر سنوات من الهجرة، أي في عام (1958). ويعاني شخوصها من وحشة المنفى وقسوته. هكذا تنقلب حياة أبي قيس رأساً على قدم، مما يضطره إلى التفكير في الهجرة إلى الكويت لعله يستطيع أن يوفر لعائلته حياة كريمة. ولكن الأمور لا تسير كما يشتهي. تعتور رحلته الصعاب، ويجد نفسه في الصحراء، وهناك يتذكر بلدته وأناسها، لتبدأ المقارنة بين ما هو عليه الآن وما كان عليه في وطنه.
“في السنوات العشر الماضية لم تفعل شيئاً سوى أن تنتظر .. لقد احتجت إلى عشر سنوات كبيرة جائعة كي تصدق أنك فقدت شجراتك وبيتك وشبابك وقريتك كلها..”.
“أتعجبك هذه الحياة هنا؟ لقد مرّت عشر سنوات وأنت تعيش كالشحاذ .. حرام ! ابنك قيس، متى سيعود للمدرسة؟ ..”
“يا رحمة الله عليك يا أستاذ سليم !.. يا رحمة الله عليك ! لا شك أنك ذو حظوة عند الله حين جعلك تموت قبل ليلة واحدة من سقوط القرية المسكينة في أيدي اليهود.. ليلة واحدة فقط .. يا الله أتوجد ثمة نعمة إلهية أكبر من هذه؟ صحيح أن الرجال كانوا في شغل عن دفنك وعن إكرام موتك.. ولكنك…”