لاتقتصر صناعة الخوف على الأنظمة الاستبدادية لضمانة سيطرتها في الحكم، وإنما هي في الأصل استراتيجية تقليدية وممنهجة للتربية بشكل عام، سواء كانت النماذج التربوية تقليدية ودينية، أم حديثة وعلمانية، فهي تسعى إلى صناعة الخوف عبر الأدوات التي تسمح لنفسها باستخدامها.
وإن كافة المؤسسات التي تساهم في العملية التربوية بداية من الأسرة وصولاً إلى تقنيات المجتمعات الشبكية، تُرسّخ صناعة (الخوف) وزراعته في القلوب، بل وتصل إلى ابتداع الطرق العلمية الحديثة استمراراً في تطوير التخويف الجمعي وفي منهجة أساليب صناعة الخوف، وفي ابتكار وسائله المختلفة.
الخوف لا يرتبط فقط بالحالة النفسية التي يفرضها الآخر لامتلاك وسائل القهر والإخضاع، وإنما لخلق الحالة النفسية التي تؤدي إلى الخوف من الذات القائمة على اعتبار أنها كيان متعدد الهويات وخليط من التراكمات الثقافية التي تكوَّنت بفعل القهر، الخاص منه والعام معاً.
لقد أصبحت صناعة الخوف عملية داخلية ذاتية لدى الأفراد تبدأ بالخوف من الجسد، ثم من العقل، ويظهر ذلك من خلال الرقابة الذاتية على انفعالات الجسد والعقل بحيث لا يُسمَح لكليهما أن يتفاعلا مع احتياجاتهما ورغباتهما بشكل حر.
(علماً بأن المنظومات الأخلاقية والدينية التي توكل لنفسها مهمة تأطير تلك الاحتياجات والرغبات، يقتصر اشتغالها على المستوى الخطابي فقط، أي أنه لا يتم تطبيقها فعلياً كما يدعي الخطاب العام. وحتى أنه لا يسمح بنقاش مدى صلاحيتها أصلاً).
ومايزال الفرد منا يسعى إلى إخضاع ذاته لنمطية فكرية، ولحركة جسدية فرضها تاريخ الاستبداد بكافة أشكاله، بدءاً من استبدادية الأب في البيت، والمعلم في المدرسة، والشرطي في الشارع .. وهكذا حتى تنتهي بالنظام الحاكم المستبد، وهو ما يدفع إلى إيجاد الخوف للنفس وبالنفس، وحتى الخوف من الذات والرقابة عليها.
لقد بتنا نخاف من ذواتنا لأننا نخاف من الإفصاح عن رفضنا للعبث بهويتنا في مرحلة ما، ونخاف من مواجهة أنفسنا!!..
أهداف صناعة الخوف
تكمن أهداف صناعة الخوف في:
-
إبقاء الأفراد رهينة طرق التفكير البالية غير العلمية عبر هيمنة أدواتها بالتشكيك الحاد في كل الأفكار التي يمكن أن تزعزع أركان ثقافة الاستبداد الفاسدة.
-
التشكيك بالذات كعملية ذاتية يعيشها الفرد يومياً، حتى في عمق نومه.
-
توجيه الحالة النفسية الناتجة عن توقعات الأفعال السلبية من الآخر، أو من آلة الاستبداد، إلى انتظارات قاتلة لأفعال مرفوضة من الذات إذا ما حاولت التحرر من سلاسلها الفكرية والثقافية.
وعملياً فإن الفرد يبقى خائفاً من تحرّر ذاته بعكس عالم الحيوان المتحرر من خوفه ومن مواجهة ذاته.
وتعكس الحالة السائدة اليوم في السياسة، الاقتصاد، والثقافة، الخوف والتخويف، لأن الخوف والبقاء باتا المحركين الأساسيين للحياة في المجتمعات.
الخوف كسياسة عامة
ويبقى الأسوأ من الخوف، هو حين يتحوّل الخوف نفسه إلى سياسة عامة، بمعنى أن تستمد السلطات الحاكمة، الأسواق، التجار، والنخب المجتمعية مصالحها من تفشي حالة الخوف، وتحويله إلى استثمار دائم.
الحكومات، البنوك، شركات الاتصالات، مؤسسات المياه والطاقة والتأمين، باتت تبني استراتيجياتها على أساس التخويف وزراعة الخوف، سواء عبر التقنين الصارخ، رفع الأسعار، أو التغاضي عن الانتهاكات المبررة.
تشرذم المجتمع
فتشرذم المجتمع من فرط الخوف على مصيره وفي بحثه عن الأمان، حتى أن قطاعات واسعة من الشعب بكل أطيافه العاملة والمنتجة قد انتبذت مجتمع الجماعة المشتركة معها بالنشاط الاقتصادي والإنساني، وانكفأت إلى تشكيلات مجتمعية كانت قد سبقت مجتمع المدينة، وتحوّلت إلى كهوف من:
-
الإثنية المتشنجة
-
الطائفية المنغلقة
-
القبائلية المتوترة
وتلقفت الفئات المنتفعة من العزلة ذلك النزوح النفسي والسلوكي، وطفت على سطح المجتمع قشرة سياسية طفيلية تقتات على التفرّد بإغلاق المجتمع عبر ذرائع وادعاءات غير واقعية.
تعريف الخوف في علم النفس
ويفسّر علماء النفس الخوف بأنه:
“(حالة شعورية تنتاب الإنسان عندما يحسّ بخطر ما يواجهه دون أن تكون له مناعة ضده أو سبيل لمقاومته. وقد يَعظُم هذا الشعور عندما يكون الإحساس بالخطر أعظم وأقوى. وكلما ازدادت درجة الإحساس بهذا الخطر ازداد الخوف لدى الإنسان أكثر، وقد يصل فيها إلى مرحلة العجز الفكري الذي يقوده إلى شلل في الإرادة وفي معنوية الجسد فيعلن عن استسلامه وانصياعه لهذا الخطر معلناً إقراره بأنّه القضاء الذي لا مردّ له والحكم الذي لابد من تنفيذه)”.
الخوف إذن يُفقِد الإحساس بالأمن والطمأنينة والهدوء ويُدخِل إلى النفس قلقاً واضطراباً وعدم استقرار عميق ودائم.
د. علي أحمد جديد