أقنعتُ أمي أن تشاركني في لعبة ساحة السيارات الثلاثية الأبعاد.
حذّرتها من أن تخلع نظارات العالم الافتراضي قبل انتهاء اللعبة، ووعدتها بأنها لن تخشى شيئاً وأنا بجوارها.
تعالت ضحكاتي وأنا أسمعها تصيح بصوتها العذب:
توقف يا حسام… توقف يا بني أرجوك.
كنتُ الأبرع بين رفاقي في هذه اللعبة عندما كنت فتىً، وقد حققتُ رقماً قياسياً في السرعة لم يستطع أحدٌ منهم تخطيه.
– هل تعلمين يا أمي أن رفاقي أطلقوا عليّ اسم وحش السيارات؟
– توقف يا ولدي أرجوك… أرجوك يا حسام.
– هوّني عليك… إنها مجرد لعبة.
أمسكتُ يدها النديّة وضممتها إلى صدري وقبّلتها ضاحكاً:
لا تخشي يا أم حسام شيئاً وأنتِ معي.
أمي كانت على الدوام رائعة… تثق بي حين يتهمني الجميع.
لستُ أنسى كيف دافعت عني حين اتهموني بأني ضيّعتُ ثروة أبي في مشروعاتٍ فاشلة.
هي الوحيدة التي فهمت أن التجارة تحتمل الربح والخسارة، وأنها لم تكن غلطتي.
كيف أوفّيها حقها وقد كانت موئلي على الدوام؟
عوّضتني عن حضن أبي الذي افتقدته منذ أن كنت صغيراً.
كانت تربت على كتفي وتقول بصوتها الشجي:
أنت رجل البيت يا بني… ونحن نعتمد عليك.
أعرف أنني خذلتها عندما تركت دراستي الجامعية قبل تخرّجي بقليل.
أعترف بأن طيشي تغلّب عليّ حينها، لكن قلبها الطيب سامحني وغفر لي.
ما زال صوتها يدغدغ مسامعي وهي تهيب بي كي أتوقف.
– لقد انتهت اللعبة يا أم حسام… هيا بنا.
لكنها لم تجبني.
سألتها وقد ساورني الشك: ما الأمر يا أمي؟
لكنني لم أسمع صوتها.
حاولت نزع النظارات عن عينيّ دون جدوى.
صرخت وقد تملكني الرعب:
ما الأمر؟ لمَ لا أستطيع نزعها؟
اقتربت مني أختي سلوى وأمسكت بيديّ:
– احذر يا حسام… فجراحك لم تلتئم بعد.
– هل فقدتُ بصري؟
– ستشفى يا أخي لا تخف. هناك ضماد على عينيك وسيرفعه الطبيب بعد أيام. ستستعيد بصرك إذا التزمت تعليمات الطبيب وحافظت على رباطة جأشك… صدّقني.
– ماذا حصل؟
– قلتُ لك للمرة المئة… لقد تعرضت لحادث وأنت تقود سيارتك.
– وأين أمي؟
– لقد رحلت… رحلت يا أخي. متى تستفيق من هلوساتك وتتقبل الواقع؟ لن تتماثل ما لم ترضَ بقضاء الله.
تملكني دوار غريب بينما كانت سلوى تتابع حديثها وتهذي بكلام لا أفهمه.
عدت إلى السرير لأدفن نفسي تحت الغطاء.
أعترف يا أمي أنني لم أكن يوماً رجلاً… وسأعاود ارتداء نظارات العالم الافتراضي.