في كل شبرٍ من ثرانا لوعة… للكاتب عبدالسلام اضريف

في كل شبرٍ من ثرانا لوعة،
وفي كل ركنٍ من مدانا مجزرة.

خيرُ ما أستهلّ به مقالًا يؤرقني كعربي—وسأظلّ أعيد نشره—حتى يطيب الجرح الذي يُنغّص كرامة جبين العالم العربي، وهو يتابع بدمٍ بارد ما يجري داخل التراب السوداني، كأنّ هذا الشعب جاء من كوكبٍ آخر. هذه الأحداث تُقِضّ مضجع كلّ غيور على شعبٍ مسالمٍ أبيّ، ذنبه أنّه سوداني، يتعرّض يوميًا للقتل والدمار والاغتصاب، وما مدينة الفاشر عن ذلك ببعيد.

لقد عبّر الشاعر التونسي الكبير مازن الشريف بإخلاصٍ شديد عن تلك الأوجاع التي أثخنت جراح العالم العربي، في قصيدته “تحت السيطرة”:

تحت السيطرة – مازن الشريف

يا أبي يا أبي يا أبي
يا أبي حزنٌ ببوح الحنجرة
وجعٌ بهذا الصدر يغمد خنجره
هي حيرةٌ مثل الهزيمة مرّة
ما للعروبة كالحطام مبعثرة

أنّى نظرتَ رأيتَ موتًا صارخًا
لكأنّما وطنُ العروبةِ مقبرة

في القدسِ، ما في القدس؟ أو في غزّة
قد عاث صهيونٌ وأرسل عسكره

بغدادُ أو في الشامِ جرحٌ واحد
من فجّرَ الوطنَ الجميلَ وفجّره

والشعبُ بين الرعبِ أضحى دمعة
مذ أظهر الإرهابُ فينا مظهره

والدينُ دينُ الله إلا أنّه
لم يرضَ شيخُ الإفك حتى زوّره

والكاذبون العابثون أوغروا
صدرَ الغبيِّ بالشعبِ حتى كفّره

إعلامُ بعضِ العربِ أضحى فتنة
أصواتُ بعضِ العربِ أمست ثرثرة

وترى الذي قد باع غدرًا ضاحكًا
ويراه أمرًا داعيًا للمفخرة

هل ثورةُ الأحرارِ دمّرَ موطنًا؟
شتّان بين من يبنيه أو من دمّره

في كل شبرٍ من ثرانا لوعة
في كل ركنٍ من مدانا مجزرة

في مطمعٍ للغرب صرنا لقمة
في نظرةٍ للغرب صرنا مسخرة

قل يا أبي هل ضاع حقًا حلمنا؟
ما عاد فينا خالدٌ أو عنترة

وهل للعروبة لم تعد إلا أسى؟
في قلب من عشق الثرى ما أكبره

يا ولدي هذا المدى ما أضيقه
أنّى نظرت رأيت نار المحرقة

ماذا يقول الحرف في خطّ المدى؟
وطنٌ تدلّى من حبال المشنقة

إن مرّ عصفورٌ يغني مغرمًا
كسّروا جناحيه… أماتوا الزقزقة

هل نحن شعبٌ واحد—مهما بدا—
فينا اختلافٌ في الأمور المسبقة؟

قد فكّكونا كطوائف وانبرى
كلّ يشدّ الكلّ حتى يخنقه

فانظر شتاتًا في شتاتٍ كيف لا
إذ كل شيءٍ صار تحت المطرقة

أمجادُنا في الدهر صارت نكتة
من خجلٍ للأرضِ ترنو مطرقة

آهٍ بُني، اليوم كم من طعنة
في الصدر تأتي من أخٍ ما أحمقه

لكننا والليل يجري خلفنا
والفجرُ حثّ الخطو حتى يسبقَه

ما زال فينا موطنٌ كي نحتمي
بالحب… إن الحب مثل الزنبقة

وغدًا ترى الأوطان ضوءًا ساطعًا
وبرغم حقدِ الليل شمسًا مشرقة

إن أغلقوا دربًا فأيقن أنّنا
كم قد عبرنا من دروبٍ مغلقة

يا والدي أيقنتُ، منك المعذرة
إنّي سأسقي الحلم دمعَ المحبرة

جرحي عميقٌ غير أنّي مؤمن
وغدًا يكون الجرح… تحت السيطرة.


تحليل الواقع السوداني

إنّ الحسم العسكري في السودان اليوم يبدو بعيد المنال، لأن قوات الدعم السريع تنتهج أسلوب حرب العصابات، معتمدة تكتيكات الكرّ والفرّ داخل التراب السوداني، مما يجعل رصدها أو القضاء عليها عسيرًا.
هذه القوات منبثقة من المجتمع السوداني وليست غريبة عنه، كما أنها كانت تحظى بثقة الرئيس السابق عمر البشير الذي سعى إلى تنظيمها وتجهيزها، لأنه لم يكن يثق ثقة كاملة بالمؤسسة العسكرية، رغم أنّه خرج من رحمها.

أسّس البشير الدعم السريع كقوة احتياط تحميه من أي نوايا انقلابية داخل الجيش. ولهذا تعتبر قوات الدعم السريع نفسها قوة نخبوية قانونية، لا خارجة عن القانون.

أما الإشكال الأكبر فهو عدم دمجها في القوات المسلحة السودانية.
هل السبب هو رفض البشير نفسه، أم اعتراض قادة الجيش الذين رأوا أنّ قوات الدعم السريع لم تخضع لأعراف المؤسسة العسكرية، وأنّ قادتها—مثل حميدتي—ليسوا خريجي كليات عسكرية؟
هذا بالإضافة إلى رفض الجيش وجود قوة موازية له.

غياب الأحزاب السياسية

الأحزاب في السودان شبه مغيّبة.
فالعسكر—منذ عقود—يرفض إشراك الأحزاب في الساحة السياسية، رغم أنها إحدى أهم ركائز الأنظمة الديمقراطية.
مهامّ الأحزاب في الدول الحديثة تتمثل في التعبير عن احتياجات المواطنين وممارسة الضغط على صناع القرار، وهو ما لا يريده الجيش السوداني.

السودان بين صراع البرهان وحميدتي

منذ الصراع بين الفريق عبدالفتاح البرهان وقائد الدعم السريع حميدتي، ازداد تدفّق النازحين إلى دول الجوار: تشاد، ليبيا، إثيوبيا…
الانفصال الذي وقع سابقًا في جنوب السودان يبدو وكأنه سيناريو قابل للتكرار في دارفور التي تطمح بدورها إلى الانفصال.

استرجاع تاريخ الانقلابات

ثم يستعرض النصّ بالتفصيل الحقبة الممتدة من:

  • انقلاب جعفر النميري سنة 1969

  • سياسات مايو

  • صراع العلمانيين والإسلاميين

  • قوانين سبتمبر

  • الحركات اليسارية

  • انقلاب 1971

  • انتفاضة 1985 وانحياز سوار الذهب للشعب

  • وصول عمر البشير سنة 1989

  • سقوط البشير 2019

  • انقلاب الدعم السريع 2023

وفي كل مرة، الضحية هي الشعب السوداني.

خاتمة

يبقى مستقبل السودان في حكم المجهول.
والصراع يتكرر، والسيناريوهات تتشابه، والدم السوداني يُسال عبثًا.

اللهم احفظ السودان وشعب السودان.

الله غالب
الكاتب عبدالسلام اضريف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *