في نقد التصور الإقصائي: الحداثة غربية للكاتبة ماجدة بوكلوة

من التصورات الإقصائية التي روجت لها الحضارة الغربية على مدى قرون، الزعم بأن الحداثة فعل غربي محض، وأن ما يقع على تخوم الحضارة الغربية من أممٍ وحضارات لم يدركوا حداثة بعد، إنما يحاكون نموذجاً جاهزاً سبقهم إليه الغرب؛ كأن الحداثة بما هي تفعيلٌ للتفكير باتت حكراً على سياق حضاري بعينه.

غير أن الحداثة في جوهرها ليست منتجاً غربياً خالصاً، ولا تختزل في مرحلة زمنية محددة، بل هي لحظة تأسيس جديدة في مسار الفكر الإنساني، يعلّق فيها الإنسان أحكامه الجاهزة ويدخل في حالة من الوعي الإيبوخي، حيث تتوقف البديهيات عن كونها مسلمات، ويصبح التفكير فعلاً مقاوِماً للتكرار.
ما يعني أن الحداثة لا تتحدد بمن أنشأها أولاً، بل بمن يملك الجرأة على ممارسة التفكير حقاً.

فهل سبق للعقل العربي أن فكّر؟

قول إسماعيل مهنانة

“معظم ما يُكتب حالياً في مجال الفكر ينتمي إلى فعل الكتابة، ولا نستطيع أن نمنحه صفة الفكر بهذه السهولة المتسرعة… أن تفكّر هو أن تعلّق الحكم المسبق حول كل ما ترثه داخل عصرك من أحكام مسبقة وعقائد جاهزة.”
(من كتابه: الوجود والحداثة: هايدغر في مناظرة العقل الحديث)

هذا القول يعني أننا لم نفكر منذ قرون، وأن الفكر العربي لم يعرف الحداثة لأنه لم يُتح للفكر أن يُخالف، ولم يُمنح للعقل مساحةً ليعترض، منذ أفول المعتزلة، حيث جُمّد التفكير داخل قوالب النقل، وتحولت المعرفة إلى ميراث مغلف بالمقدّس، لا موضوعاً للامتحان والتجاوز.

الحق أن الحضارة الغربية لم تكتفِ بإقصاء الآخر من سؤال التفكير والحداثة، بل رسّخت في ذهن الإنسان العربي مقولة “حداثة العربي تعني تجاوز الدين”، مما جعله يقف بالمرصاد أمام أولئك المفكرين الذين طرحوا أسئلة العدالة الإلهية والحرية والمصير، فحوصروا وطُردوا، وأصبح المفكر العربي يُتهم تلميحاً بأنه يقترب من الحداثة الغربية بما تحمله دلالياً من كفر وإلحاد.

بهذا المعنى صارت الحداثة مرادفاً للتهديد، وصار التفكير ذاته فعلاً مشبوهاً، فأقصينا التفكير، ورضينا بالتكرار، ثم تواطأنا مع ذلك بعبارات تبرر السقوط:

“العقل لا يسبق النقل”

فأُجهضت طفولة الحداثة العربية قبل أن تولد.

الحضارة الغربية لم تعرف الحداثة إلا كـ صدمة وجودية جاءت بعد سلسلة من الجروح:
من كوبرنيكوس، إلى داروين، ثم فرويد.
كانت هذه الجروح الباعث على إعادة التفكير في كل المسلمات.

ولو أننا أمعنا في تاريخنا لجزمنا أننا أدركنا حداثة متقدمة تجلت في الإسلام بوصفه قطيعة وجودية وفكرية مع نمط الوعي الجاهلي؛ لحظة حداثة روحية كبرى، لكنها لم تُقرأ كذلك.

وأدركنا حداثة الشعر أيضاً:
الهايكو، قصيدة النثر، الشعر الحر…
كلها لحظات وعي حر وحداثة عربية محضة، غير أنها أُوّلت كعجز عن نظم القصيدة العمودية، بينما كانت آخر مساحة يُسمح فيها بالتفكير في ثقافة أغلقت أبوابه.

وحين اقتربنا من لحظة حداثية جديدة كان يمكن أن تفتح أفقاً فكرياً يعيد مجد الإنسان العربي عبر مشروع محمد أركون، الذي سعى لقراءة النص القرآني قراءة حداثية نقدية تتجاوز التفسيرات المغلقة دون إنكار قدسية النص، حال بيننا وبينها سوء فهم مسبق.

فوصم الخطاب الديني مشروعه بأنه هجوم على المقدس، فأُجهضت تلك اللحظة كما أُجهضت محاولات كثيرة قبلها.

والحقيقة أن الحداثة لا تُفكك المطلق، بل تفكك تمثلاتنا عنه، وتفتح النقاش حول من يحتكر الكلام باسمه.
فحين نقرأ النص القرآني، نحن لا نناقش الله؛ بل نعيد مساءلة فهمنا لكلامه.

المطلق لا ينهار أمام التفكير.
بل يزداد وضوحاً في ضوئه.

لذلك فإن الحداثة ليست تجاوزاً للدين، بل تحرير له من تشوهاته وتسييسه، وتحويله إلى سلطة هيمنة.
والحداثة فعل إنساني يظهر حين يملك الإنسان الجرأة على التفكير النقدي وتجاوز المسلمات.
ما يعني أن كل حضارة قادرة على إنتاج حداثتها الخاصة إذا توفرت شروط التفكير الحر.

ما بعد الحداثة

انطلاقاً مما سبق يمكن القول بأن “ما بعد الحداثة” مرحلة تصف واقع المنظومة الفكرية والسياسية والفلسفية والعقدية لحضارة أو مجتمع ما، يُفترض أنه خضع للمراجعة وإعادة النظر في لحظة وعي مضاعفة، مما ينبئ بواقع جديد مغاير.

الكاتبة ماجدة بوكلوة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *