في نقد مفهوم الرجعية: رشيد بوجدرة، مالك بن نبي ونحن للكاتبة ماجدة بوكلوة

كثيرًا ما يكون التردد رفيق الخطوات الأولى نحو الكتابة، خاصة حين يتعلق الأمر بموضوع ملتبس، شائك، يثير من الجدل أكثر مما يفتح من أبواب الفهم. ولعل هذا ما جعلني أُمهل نفسي طويلًا قبل أن أشرع في لملمة شتات هذا المقال، إذ خشيتُ ولا أزال أخشى أن يُفهم مقصدي على نحو يُحمّلني ما لا أنوي قوله، أو يضعني في موقع الدفاع عمن لا أدّعي الانتصار له، لا سيما في هذا الموضع بالذات، حيث تتكاثف حساسيات المواقف وتشتد حرارة الجدل.

والحق أن أكثر ما دفعني للخوض في هذا الشأن — وإن كنتُ غريبةً عنه بعض الشيء، بريئةً ربما وصغيرةً جدًا في حضرة “الكبار” — ما تعلمته ذات يوم في جامعتي، أو بالأحرى ما علمني إياه أساتذتي، أولئك الذين أحسبهم بحق من سادة النقد في الجزائر. أقنعوني حينها، وعلى فترات، أن للنقد أعداء ثلاثة:
الذاتية، التواطؤ مع الخطاب السائد، والميل إلى الإدانة بدل المساءلة.
وفي المقابل، علموني بحكمة بالغة أن ما يمنح النقد حسّه الحيوي واستدامته هو:
جرأة الطرح، دهشة السؤال، وشرف التأويل.

أظنها أسباب كفيلة لأكتب!

ليس ثمة مفردة في خطابنا العربي الحديث تثير من الفتنة والجدل ما تثيره كلمة “الرجعية”، ذلك أنها غالبًا ما تُشحن بإيحاءات الاحتقار والإقصاء، وتُوجَّه نحو “النحن” الإسلاموي من موقع “الآخر” المتعالي. وربما تأتي كمحاولة لنفينا أخلاقيًا وحضاريًا، أو لتبرير خيارات علمانية أو تقدميّة.

غير أن هذه الشحنة الانفعالية لا تعبّر فقط عن نزاع أيديولوجي، بل تستحضر أزمة أعمق:
أزمة في وعينا التاريخي، وفي تمثلاتنا لأنفسنا وللآخر، وفي علاقتنا بالتراث، وفي تصورنا عن الحداثة التي نطمح إليها.

لكن… من قال إن “الرجعية” توحي بالضرورة بالسلبية؟
ومن أقنعنا أصلًا أنها نقيض الحداثة؟
ثم ما الذي يجعل رشيد بوجدرة “شيطانًا” لأنه وصف مالك بن نبي قائلًا:

“كان رجعياً، كان دينياً، كان متديناً بالمعنى السلبي.”

إن إعادة مساءلة هذا المفهوم، وتتبع كيفية توظيفه في خطاب مثقف مثل رشيد بوجدرة ضد مفكر كمالك بن نبي، لا تهدف إلى تبرئة أحد ولا تجريم أحد، بل إلى تفكيك البنية الثقافية التي تنتج مثل هذه التصنيفات وإعادة تأويلها.

لا يختلف اثنان في أن رشيد بوجدرة — منذ بداياته — تبنّى موقفًا حداثيًا متطرفًا، متأثرًا بالماركسية، مناصرًا لقيم الثورة، محدثًا قطيعة مع التراث، ومتمردًا على المرجعية الدينية.
وبهذا المعنى، يبدو له أي مشروع يستبطن إصلاحًا من داخل البنية الإسلامية، كما يفعل مالك بن نبي، مشروعًا “رجعيًا”، لأنه لا يُحدث القطيعة بل يحاول ترميم التراث.

بوجدرة، اليوم والبارحة، وككل وقت، يقف موقف “المثقف الملعون”؛
ذاك الذي يتعمد إثارة الضجة، ويعيش على تخوم الإجماع.
لذلك لا يفاجئنا أن يصف مالك بن نبي بالرجعي — فهو المتوقع منه.

لكن رغم ثورته على البنى التقليدية، ورغم شذوذه العقدي والفكري، لم يكن بوجدرة يومًا خارج أسئلة الهوية، ولا منزوع الصلة بالتراث. بل كان اشتباكه مع “الرجعية” اشتباكًا مع صورة نمطية صنعها خطاب السلطة.

أما مالك بن نبي، فلم يكن رجعيًا بالمعنى الذي أراده بوجدرة.
كان أعمق من قرأ النص القرآني في سياق حضاري، وساهم في بناء وعي نهضوي متجذّر في ثقافة الأمة لا منفصل عنها. لم يرَ في التراث عقبة، بل طاقة كامنة بشرط تفكيك آلياته، مساءلة رموزه، واستعادة روحه.

وهو بذلك يبتعد عن الخطاب التقدمي السائد الذي يرى في القطيعة مع التراث مجرد إعلان رمزي للحداثة.

لعل بوجدرة قصد بالرجعية، في لحظة ما، التخلف والجمود. لكن أن نتلقى نحن المصطلح بالشحنة نفسها، وأن نفككه بلا وعي بسياقه ومعناه، فهذه هي الإدانة الحقيقية.
أن نتبنى الفهم ذاته دون مساءلة… هو أن نعيد إنتاج الخطاب الذي ندَّعي رفضه.

 

 

من الواجب إذًا إعادة تفكيك خطابات هؤلاء المثقفين الذين لعنتهم المؤسسة الإسلاموية — من مثل رشيد بوجدرة — وصياغة فهم جديد لها، يجبرهم على مراجعتها.
غالبًا نحن من نقنعهم بأفكارهم:
برفضنا، بتصنيفاتنا العنيفة، بتطرفنا، وباستماتتنا في مقاومة شذوذهم واختلافهم.

لكن ماذا لو جعلناهم يرون هشاشة خطاباتهم بوعينا نحن؟
ماذا لو ارتقينا بالحوار العربي من ساحة صدام إلى مساحة للفهم؟
ماذا لو توقفنا عن رصف الناس على ضفتي “التقدم” و”الرجعية”؟
أوليس التقدّم والرجعية مفاهيم نسبية تتغير بتغير الزمن والسياق؟

خطاب التصنيف… وهم الحسم

لعل أخطر ما في خطاب التصنيف أنه يوهمنا بالحسم، بينما هو — في جوهره — شكل من أشكال الإقصاء.

نعم، لقد أخطأ بوجدرة حين وصف مالك بن نبي بالرجعي، لأن الوصف كان حكمًا ذاتيًا مؤدلجًا:
(الرجعية في فكر بوجدرة مرتبطة بالدين الإسلامي، الذي هو روح مشروع مالك بن نبي).

وأخطأنا نحن حين تعاملنا مع الحكم كتهجم يستحق الرد، بينما الأجدر بنا أن نسأل:
ماذا كان يقصد بوجدرة؟
ما الحداثة التي كان يدافع عنها؟
وهل كان مالك بن نبي فعلًا نقيضها؟

إن تفكيك هذا الجدل ضرورة لإعادة بناء علاقتنا بالنقد:
كيف نختلف؟
كيف نكتب اختلافنا؟
وكيف نحوّل الاختلاف إلى أفق للفهم لا شرارة للصدام؟

لسنا بحاجة إلى تبرئة أحد ولا لعن أحد.
نحتاج فقط إلى مغادرة منطق الدفاع والهجوم، والدخول في منطق الفهم.
أن ننزل المفكرين من أبراجهم العالية، لا لنهينهم، بل لنحاورهم.

في النهاية:
الرجعية — كما الحداثة — ليست قدرًا ولا تهمة… بل وجهة نظر، يفسرها كلٌ من موقعه.

إذا كان مالك بن نبي قرأ النص الديني كطاقة نهضوية، فهذا لا يجعله رجعيًا.
وإذا رأى بوجدرة أن القطيعة مع التراث شرط للتقدم، فهذا لا يجعله بالضرورة عدوًا للهوية.

بين هذا وذاك، لا نحتاج إلى تحيز، بل إلى وعي حاد ومسافة نقدية وجرأة في إعادة التفكير.

وخاتمة

فلعل أكثر ما يحتاجه خطابنا العربي اليوم ليس التنصل من “الرجعية”، ولا التماهي مع “الحداثة”، بل مساءلة هذه المفاهيم ذاتها:
شروط إنتاجها، دلالاتها المتحوّلة، وسياقات توظيفها.

الكاتبة ماجدة بوكلوة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *