مرّت مثل لمح البصر من أمامي، فلم أرَ سوى أنفٍ طويل ووجهٍ أبيض.
صار ظهرها أمام وجهي، أسرعتُ الخُطى فلم أستطع تبيّن ملامحها.
كانت خطواتي بطيئة، وتباعدت المسافة بيننا… اختفت بين الزحام فلم ألحق بها.
وحدها الصدفة، أو القدر، قادني إلى تغيير طريقي.
تقابلنا عند تقاطع طريق، رأيتها وجهًا لوجه.
لم يكن أنفها طويلًا، وكان لونها يميل قليلًا إلى السمار.
توقفت أنظر إليها، لكنها مرّت سريعًا.
لا أدري لماذا انشغلتُ بها، رغم أنها ما زالت في مقتبل العمر، وأنا قد اقتربت من الخمسين.
قصة فاشلة…
نعم، هذه كانت بداية قصة فاشلة، مثل كل القصص الفاشلة التي مرّت في حياتي.
منذ أن كنت شابًا لم أستطع إقامة علاقة حب مع أي فتاة.
تزوجت كأمرٍ لا بدّ منه، وأنجبت كأمرٍ لا بدّ منه، من خلال تفريغ العاطفة.
صفية لم تكن امرأة عادية.
كانت تمتلك قدراتٍ خارقة في قذف الكلمات، سليطة اللسان!
كنتُ أبتعد دومًا عن الصدام معها، وأنزوي في غرفتي أقرأ الجرائد التي اشتريتها صباحًا.
أحتفظ بها حتى المساء، وأبدأ في قراءتها.
لا أحبّ سرد التفاصيل، لكن صفية تحبّ معرفة تفاصيل كل شيء، فلا يمرّ شيء مرور الكرام.
أنفها مندسٌّ في حياة كل من حولنا، حتى في ملابسهم الداخلية!
تجتمع مع أخواتها البنات مساءً، وتبدأ حكايات لا تنتهي إلا مع منتصف الليل.
ليلة أمس اجتمعت هي ونادية وثناء، وبدأت حفلة لفّ محشي الكرنب، مع حفلة الحكايات.
كانت صديقةٌ لها تدّعي الفقر دوماً، وأنها لا تملك حتى قوت يومها، ثم كُشف كل شيء حينما سرقتها ابنتها الشابة.
وكما قالت صفية: كانت منشفاها عليها!
فعرف الجميع ما كان مستورًا.
كانت مثل شيخ الحارة، كلّ أخبار الحارة عندها: التي طلقت، والتي تزوجت، والتي حملت، والذي، والتي…
المهم أني حاولت كثيرًا الهروب منها والزواج من امرأة أخرى، لكن فشلت كل المحاولات، فقد كانت تحكم السيطرة عليّ.
آخر هذه المحاولات كانت منذ عام، عندما علمتْ، تم تحديد إقامتي لمدة شهر، لا أخرج من البيت!
توقفتُ عن فكرة الزواج بأخرى.
أصبحت أكتفي بالنظرات، ثم أحلم كيف أشاء، فهي لا تستطيع التدخل في الأحلام… لكنها أحيانًا تخبرني عن أحلامي، لا أعرف كيف!
قد أكون أتحدث وأنا نائم، لأنني لا أستطيع الحديث وأنا يقظان.
أنا الآن منزوٍ في غرفتي، ممسكٌ بجريدة صباح أمس، لا أقرأ، ولكن أحاول الهروب منها.
فقد بدأ القذف المدفعي… لا أعرف سبب هياجها هكذا، لكن هناك من أخبرها أن جارةً لنا ذكرتها بسوء، فكانت تلك القذائف التي أصابت كل أفراد عائلة العدو حتى آخر الأجداد!
أعتذر… أسمع خطواتها قادمة.
سأغلق الجريدة، وألقي بنفسي فوق السرير متصنّعًا النوم.
الكاتب محمد فتحي شعبان