لعل أول ما تطالعه ويستوقفك أثناء تصفحك لهذه الرواية هو اللغة المدهشة التي صيغت بها أحداثها ومشاهدها وفصولها؛ لغةٌ تجذب النظر كما ينجذب الفراش إلى النار، تستطعمها فتجد لها مذاقًا، وتستنشقها فتصيبك رجفة نشوة.
صدق من قال إن للبيان سحرًا، إذ أن السحر هنا بطقوسه وتمائمه وتعاويذه: سلاسةٌ، وبساطةٌ، وبلاغةٌ.
الحدث
الحدث الظاهر
سقوط نيزك على نجع المناسي أدى إلى تساقط شعر القاطنين، كوباء ناتج عن إشعاعاته، فعَرّى رؤوسهم وأسقط حواجبهم. (تعرية مادية)
الحدث الباطن
الخوف وما يتبعه من تعرية النفوس وإخراج سوءاتها للعلن. (تعرية معنوية)
الحدث المرادف
أساليب السلطة المستبدة في تدجين الشعوب وتوظيف الدين لخدمة الأنظمة؛ فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وحين يتحول الحاكم إلى إله لا يخطئ ولا يموت، يتحول الوطن إلى سجن كبير محاط بزبانية النظام وجلاديه… أو بحقل ألغام متوهم كما في الرواية.
ثيمة النص
من يستسلم للخوف يقتله القلق والأرق.
-
شواهي: حين كانت لا تخاف، كانت تعبر حقل الألغام بخفة، وحين خافَت عجزت.
-
نوح النحال: عندما فارقه الخوف تكلم وتحرر – ولو جزئيًا.
ومن كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر
استدعيتُ هذه المقولة وأنا أتابع أحداث الرواية؛ إذ الكل مذنب بطريقة ما:
الخوجة، النحال السكير، الدباغ، الكلاف، وداد، النساج، النجار، أيوب وأبوه…
كأن السارد أبى أن يبرئ أحدًا من أهل النجع.
فأبدع عربة القطار وما جرى فيها بين النقيّين الوحيدين: شواهي وحكيم.
وما كان ذنبهما من قبل إلا لمَمًا:
– شواهي تصنع العرق ولا تشربه، وترقص ولا يمسها ذكر.
– حكيم يتلصص على ساكني الدار ويساعد أباه في تزييف الرسائل.
البنية الهندسية للنص
-
الدائرة: نجع المناسي
-
مركزها: الخوجة (مُمثّل السلطة)
-
محيطها: أهالي النجع
-
نصف القطر: حكيم الأخرس
-
خط التماس: زوار الخوجة
-
قطاع دائري: أيوب وجعفر
-
قطعة دائرية: شواهي / نوح النحال
الحبكة
اعتمد الكاتب على السارد شبه العليم في بعض الفقرات، والأنا الساردة في معظمها.
فبرزت الطبقات النفسية الثلاث:
– الأنا العليا: المثاليات
– الأنا: التعامل الواقعي
– الهو: الغرائز والرغبات
وذلك في كل شخصيةٍ على حدة.
المكان
نجع المناسي: قرية منعزلة في الجانب الشرقي الصحراوي من صعيد مصر.
لكن النص يُسقطها على كل وطن يسوده الجهل، فتصير الشائعات فيه حقيقة، والخرافات يقينًا، والأحلام فردية لا رابط بينها، والجموع قطيعًا يسوسه ذئب جائع.
زمن القص
بدأ السرد بـ سقوط النيزك ثم حرب 1967 وانتهى بثورة 1977 على الخوجة.
أما الزمن الحقيقي فهو زمن متوقف لا يتقدم؛ فالخوف يعمّ، والناس على عزلتهم وقلقهم، والخنوع هو المصير.
لحظة التفجير
من طرائف النص أن تأتي الثورة على يد سكيرٍ عجوز لا يفارقه الخمر، ميزته الوحيدة أنه متعلم، وحسنته الوحيدة أنه أشعل فتيل الثورة.
لكن الثورة إن لم يكن لها رجال واعون ناءون عن المساوئ، هوت بالجميع…
كما حدث في الرواية، وكما يحدث في واقعنا!
بناء الشخصيات
برع الكاتب في تجسيد شخصياته بحروفٍ ناطقة وأنفاسٍ دافئة أو لاهثة حسب الحاجة، وعيون جاحظة حين تتقد الشهوات أو تسلب العقول (عودة جعفر من الموتة الأولى).
ثبات الصوت السردي
ثبت الكاتب المستوى اللغوي عبر ألسنة الأنا الساردة جميعًا رغم اختلافها؛
تأصيلاً لهويتها وانتمائها لبقعة واحدة.
والفصحى – كما يشير النص – كانت لسان العرب قديمًا مهما اختلفت طبقاتهم.
والهدف الخفي:
أن نجع المناسي هو الوطن الكبير؛
الناس هم الناس، واللغة هي اللغة، والدين هو الدين، والحاكم هو الحاكم وإن تغيّرت الوجوه.
فلسفة النص
-
الثورة تلتهم الثوار.
-
الخوف يوقف عقارب الزمن.
-
عدم القدرة على التنفس بحرية إعلانٌ بالغرق.
الخلاصة
«حدث ما لم يحدث»…
شرارة مصدرها خبر منشور بالأهرام عام 1977، فاشتعلت رواية من 360 صفحة، مزج فيها الكاتب بين الواقع والخيال، وأدخل أحداثًا حقيقية أعاد طهيها بمخيلة خصبة ليقدم علينا عملاً أدبيًا متماسكًا.
وينهيها بأوراق مريض نفسي يختلط عليه الواقع بالمتخيّل…
ومع الطبيب النفسي سعدون زكريا يعيدك الكاتب بخبث إلى الواقع، فـ سعدون ليس إلا أحد أبناء زكريا النساج الثلاثة.
ملاحظات على الهامش
كما يخطئ أغلبنا في صياغة جملة الاستبدال، أخطأ الكاتب أيضًا.
والصواب أن تدخل الباء على المتروك:
«أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير»
الأديب محمد البنا