قراءة للكاتبة سمية جمعة للقصة القصيرة “تيتانيك خورشيد”

إن النص الذي يفتح باب التساؤلات والتأويلات هو نص يستحق القراءة، وعلى الأخص حين يتناول أزمة الكاتب.
تلك الأسئلة التي تفاجئنا وتُحلّق بنا في فضاء رحب، مثل:

  • هل الخلود في الذاكرة يستحق التضحية بالحياة؟

  • هل الفنانون ضحايا أوهامهم أم ضحايا جمهور يريد منهم دورًا جاهزًا؟

  • هل الكتابة طوفان آخر؟

 بين جاك والكاتب

القصة تبدأ بمشاهدة فيلم تيتانيك، ومن منا لم يشاهده مراتٍ كثيرة، وفي كل مرة نكتشف عوالم أخرى؟
الكاتب هنا يذوب الحد بينه وبين جاك، كغزوٍ من الشخصية الخيالية لواقع الكاتب.
هذا الانزياح هو انعكاس لأزمة الإبداع والتسويق لما يكتبه أي كاتب — إشارة إلى السيناريوهات المهملة في غرفته بفوضويتها.

جاك يتحول من رمز للتضحية الرومانسية إلى كائن غاضب يرفض أن يكون ذكرى باهتة.
وهنا انعكاسٌ لهوس الكاتب بالخلود الفني.

 رمزية الغرق والطوفان

“تيتانيك” تمثل الغرق بأنواعه:
غرق الحرف، أو ما نسميه الغرق الرمزي — أي أفكار الكاتب التي تغرق في العدمية (تمزيق المسودة).

وجاك يغرق في ندمه على تضحيةٍ من أجل فتاة تافهة.
حتى روز، بطلة التيتانك، تُختزل إلى جسد (رقص، علاقات غير شرعية).

القصة وكأن الكاتب أراد بها أن تكون بوابات على الماضي والحاضر والمستقبل:

  • الحاضر: عروض تيتانك المتكررة.

  • المستقبل: طوفان خورشيد القرية الصغيرة.

  • الماضي: قصر الجزيرة بصالة ٨.

 السينما كمرآة للواقع

السينما هنا، بحضورها الدائم وخصوصًا في مصر، أنتجت أفلامًا كثيرة من روايات وقصص متعددة، كانت لها صلة وثيقة بالواقع المصري المعاش.
وعالميًا، تبقى السينما البوابة الأوسع لطرح الأفكار المجتمعية.

في هذا النص، السينما تشبه الأرض الخربة، فضاءً للأشباح، حيث يختلط الواقع بالوهم.

الفيلم الذي أراد الكاتب كتابته هو عن الأرض الخربة،
لكن جاك يفرض عليه فيلمًا بديلاً: “طوفان خورشيد”.

الطوفان والطبقية

هل الطوفان هنا عقاب؟
إنه الطوفان الذي أغرق خورشيد، القرية التي تغرقها مياه التحديث (مشروع محور المحمدية).

لكن يبقى السؤال معلقًا:
هل الفن خلاصٌ للكاتب على حساب حياته؟

الصراع في القصة ليس فرديًا، بل طبقيًا:
العبقرية المهملة تمثل المبدعين الذين يعانون من كساد فنهم في سوق الأدب.

 أزمة المثقف والكاتب

النص يعيد كتابة تيتانك كـ تراجيديا عن فنانٍ خُدع بوهم البطولة،
حيث تتحول السينما إلى ساحة صراع بين الواقع والمتخيل.

اللغة التي استخدمها الكاتب متوترة، وكأنها تعكس واقعًا أليمًا أراد أن نصل معه إلى أزمة المثقف، الكاتب، والمبدع.

الصور السينمائية مثل (الطوفان، الأرض الخربة) تخلق عالمًا كابوسيًا يذكرنا بأعمال بورخيس.

وتبقى الثيمة الأعمق:

ما دور الكاتب؟
هل هو ضحية للواقع، أم مجرد مسجل له؟

“تيتانيك خورشيد”
عمل يفتح أبواب الأسئلة،
ويغوص في عمق الوعي الإبداعي،
حيث الغرق ليس في البحر… بل في الفكرة نفسها.

الكاتبة سمية جمعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *