قراءة للكاتب والناقد رائد الحواري في رواية أبناء السماء – يحيى القيسي

مقدمة

تُعدّ الأعمال العربية التي تتناول الكائنات الفضائية والعوالم الأخرى قليلة جدًا، إذ يميل كثير من الكتّاب إلى الواقعية والعقلانية في أدبهم، مما جعل هذا النوع شبه غائب عن المكتبة العربية. ورغم بعض المحاولات مثل كتابَي الذين هبطوا من السماء والذين صعدوا إلى السماء لأنيس منصور، تبقى رواية أبناء السماء واحدة من أبرز الأعمال التي تطرقت إلى هذا المجال بجرأة وعمق.

مدخل إلى العوالم الأخرى

استخدم الكاتب طريقة منطقية ومقنعة لإدخال القارئ إلى عالم الكائنات الأخرى، من خلال قصة البحث عن كنز قديم. فحين رفض فواز بيك تحذيرات المرأة العجوز وأصرّ على فتح باب المغارة، انطلقت منها إشعاعات ودخان أصابوا الجميع، فمنهم من صُعق، ومنهم من شُلّت يده واعوجّ فمه.
هنا يظهر أحمد الحسيني ليعالج السارد، مؤكّدًا وجود علوم مجهولة يُنظر إليها باعتبارها خرافات.

ويكتسب هذا الحدث أهمية مضاعفة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن السارد ذو ميول ماركسية وتكوين مادي يرفض الغيبيات، مما يجعل تحوّله اللاحق ذا معنى كبير.

التحوّل الفكري للسارد

يبدأ السارد بالتفتح على فكرة وجود عوالم أخرى بعد إصابته بالصعقة، ويكون أول ما يتقبّله هو حديث الحسيني:

“هناك الكثير في هذا العالم ما يزال غامضًا ومجهولًا… ثمة قوى في هذا الكون تمتلك السيناريو كاملًا” (ص35)

كما يتعمق الحسيني في حديثه عن الحضارة المصرية القديمة، وأنها وريثة حضارة متطورة تواصلت مع كواكب أخرى قبل أن يُقضى عليها بطوفان وزلازل حدثت قبل الميلاد بعشرة آلاف سنة تقريبًا (ص51).

وتتفق هذه الفكرة مع ما ورد في الأساطير السومرية والكتاب المقدس والقرآن الكريم حول الطوفان، مما يمنح الرواية سندًا تاريخيًا وأساطيريًا ودينيًا يجعل طرحها أكثر قبولًا.

نقد نظرية التطور

يتقدم الحسيني خطوة أخرى حين ينفي فكرة تطور الإنسان من القرد:

“فالإنسان لم يتطور من قرد كما يروّج دارون، بل وجد كاملًا بقدرات هائلة” (ص71)

وهذا يتوافق مع رؤية دينية حول كمال خلق الإنسان، ومع حديث الرواية عن الطوفان. وهكذا يتخلى السارد تدريجيًا عن أفكاره المادية ويتبنّى رؤية أكثر روحانية، ويتجلى ذلك في لغته:

“لقد تزلزل إيماني الديني… وصار نسيًا منسيًا” (ص98)

ورغم أن العبارة تشير إلى انهيار إيمانه، إلا أن التعبير الديني ما زال حاضرًا في لغته، مما يعكس الصراع الداخلي الذي يعيشه.

طبيعة الكائنات الأخرى

يصل السارد إلى الفكرة المركزية:

“وجود كائنات عاقلة على كواكب أخرى… وللإنسان جسد آخر من الطاقة الكهرومغناطيسية يتداخل مع الجسد المادي ولا يُرى بالعين” (ص119)

وبذلك تكتمل رؤية الرواية التي تدمج بين الميتافيزيقيا، الأرواح، والطاقة.

كما يتبنى السارد لاحقًا فكرة الحلول أو التماهي بين الأرواح:

“حين أبدأ في الموعظة أشعر بأن هناك من يهمس داخلي” (ص132)

البُعد السياسي

الأدب الجيد يستطيع تمرير رسائله دون مباشرة، وهذا ما فعله السارد حين عرض صورة الواقع السياسي المتردي:

“كنت أدرس القيم الفُضلى نهارًا، وأصطاد الكنوز ليلًا” (ص13)

وينتقد السارد الوضع الطبقي وقلة العدالة الاجتماعية، ثم يروي كيف دفع ثمن دراسته في الاتحاد السوفييتي:

“كنت من المغضوب عليهم لدى المخابرات… وتم تعييني معلّمًا للعلوم في قرية حدودية” (ص18)

الرمزية والانتقام الفني

على الرغم من واقعية الأحداث، تحمل الرواية رمزية عالية. يظهر ذلك بوضوح في شخصية فواز بيك، رجل الأمن ذو العقلية العسكرية، الذي خرج من المغارة مشلول اليد وملتوي الفم.
هذا التدمير الجسدي يرمز إلى انكسار السلطة الأمنية التي أذلت السارد سابقًا، فينتقم الكاتب منهم بشكل غير مباشر عبر السرد الأدبي.

فكما أقصوه عن تخصصه ومهنته، أخرجهم هو من النص مُشوَّهين.

هذه المعالجة الرمزية تُحسب للرواية، حيث تم تمريرها برشاقة دون أي مباشرة أو خطابية.

خاتمة

رواية أبناء السماء عمل يدمج بين:

  • الخيال العلمي

  • الأسطورة

  • الروحانية

  • النقد السياسي

  • والتحليل النفسي

مع قدرة واضحة على الربط بين العوالم المادية والميتافيزيقية.

الرواية من منشورات وزارة الثقافة الأردنية – مكتبة الأسرة الأردنية – الطبعة الأولى 2015.

الكاتب والناقد رائد الحواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *