قراءة للكاتب والناقد رائد الحواري لديوان مرقى الغزالة – مراد السوداني

هناك أعمال أدبية مدهشة، نتوقف عند لغتها، الشكل الذي قدمت به، الفكرة التي تحملها، تمسكها بالأصالة، التجديد الذي جاءت به، تجاوزها لما هو سائد ومطروح، كل ما سبق نجده في ديوان “مرقى الغزالة”.

التناص القرآني

سأحاول التوقف عند بعض جمالية الديوان ونبدأ من التناص القرآني الذي قدمه الشاعر بطريقة لافته. جاء في قصيدة “بد التراب”:

“كنت صغيرا عندما ذقت تراب قريتي
ومن يومها ورائحة التراب
على لساني
ومن كانت رائحة تراب قريته على لسانه
لا يضل ولا يشقى”
— ص17

يبدو للوهلة الأولى أن الكلام عادي، ليس فيه جديد، لكن إذا ما توقفنا عند الخلفية التي قيل بها، سنجد أن الشاعر لم يكتب القصيدة بعقلية الشاعر الراشد، بل بعقلية الطفل البسيط. من هنا لم يستخدم كلمة “وطني/ أرضي” بل حدد المكان بقوله “قريتي”.

كما أن تكراره لألفاظ تراب (ثلاث مرات)، قريتي/ قريته، رائحة، بلساني/ لسانه، ومن، لا — في مقطع صغير — يشير إلى بساطة المتحدث الذي لا يمتلك قاموسًا لغويًا واسعًا.

وإذا ما توقفنا عند فكرة القصيدة (تذوقه لطعم/ رائحة التراب) نجده يخلط بين الطعم والرائحة، ما يجعل القارئ يشعر وكأنه يستمع لطفل لا يفرّق بين الحاستين.

شكل القصيدة يبدو بسيطًا، لكن الشاعر يظهر نفسه من خلال قوله:

“ومن يومها ورائحة التراب
على لساني”

وهذا يشير إلى أن الشعر الذي يكتبه مراد السوداني فيه رائحة القرية، ورائحة التراب، وهو ما يجعلنا نقول إن الشاعر جير عقلية الطفل ليقدم فكرة ناضجة متعلقة بالوطن.

ولترسيخ فكرة القصيدة، استحضر الآية القرآنية:
“فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى”
فيتماهى المعنى القرآني مع معنى القصيدة، فيصبح حب الوطن من حب الله، والتمسك بالأرض تمسكًا بالثبات والحق والقداسة.

والطفل هنا (مراد السوداني) تعلم تذوق تراب قريته مبكراً، واستمر ذلك الطعم/ تلك الرائحة معه حتى الآن، وتقديمها بهذا الشكل الأدبي يؤكد استمرار ذلك التعلم.

الشاعر يحمل رسالة، نبوة، يريد تقديمها لنا. ونجد هذه الآية/ المعجزة في قصيدة “احتمالات أنثى الماء”:

“وأهتف منتشيا بالدموع:
بلادي… بلادي… بلادي…
ندى ولهيب
أنا قلت: إنك لا تستطيعين صبرا معي.
فدربي طويل..
وحملي كزين الشباب الأسير — ثقيل”
— ص40

تكرار “بلادي” ثلاث مرات يعطيها بعدًا مقدساً. واستحضار الآية: “لن تستطيع معي صبرا” يوحي بالتضحية والحرص على راحة الآخرين.

كما يبرز قوله:
“دربي طويل.. وحملي ثقيل”
الهوية الفلسطينية، وثقل الزمان والمكان، ودرب الآلام الذي يربط بين التراث القرآني، المسيحي، الشعري الحديث (توفيق زياد)، والتراث الشعبي.

النبوة الشعريّة

يتحدث الشاعر عن فكرة النبوة بوضوح في قصيدة “وردة الأربعين”:

“وإذا بلغ الأربعين
وفي صوته مزق وشظايا بلاد، وأدعية العارفين
دعا داعي العشق:
قم يا رفيق الكلام، ويا مبتلي بالنشيد
السماوي، “وأنذر عشيرتك الأقربين”،
بأن فلسطين مسبية من سنين
وطال عليها الأمد
فما من صريخ لها أو مدد
ترى القتل في كل ساح، ونهبا يعممه العابرون
الغزاة الجدد”
— ص95

سن الأربعين هو سن اكتمال النضج، وفيه تأتي الرسالات — وهنا تأتي “نبوة” الشاعر:
إنذار الأقربين بما يجري في فلسطين.

الخطاب موجّه للعامة، والفكرة واضحة ومباشرة. وإشارة “السبي” تستنهض الشرف العربي والديني، فيصبح الخطاب أكثر تأثيرًا.

ويبرز إيقاع حرف الدال في كلمات:
النشيد، الأمد، مدد، الجدد
وكأنها ضربات متتابعة تنادي القارئ ليصغي.

الفدائي / الشهيد

يقدم الشاعر الشهيد بصورة المثل الأعلى. في قصيدة “دالية الشهيد”:

“أقسم: وحدك الأبقى
وأنقى من لسان النار
تمتد نحو الأفق أفقا”
— ص141

القسم متعلق بما هو نبيل. ويتكرر حرف القاف:
الأبقى، الأنقى، الأفق، أفقا
ليعطي المقطع قوة ورسوخًا.

ثم يقول:

“وحياة رأسك…
سوف أحمل عنك أثقال الوصايا
أعبر النهر
الذي حمل الرجال/ الضفة/ الطلقات/ والأغوار
فترك لنا خبرا تصدره الجريدة في افتتاحياتها الخجلى
وترك لنا خيط الدماء لكي نعلق فيه أحلام الصغار
وترك دوي البنادق في ظلال التين والزيتون
كي يرث النهار خطاك”
— ص141–142

هنا تتوالى الرموز الفلسطينية:
النهر، الضفة، الأغوار، التين والزيتون، لتخلق صورة فدائي ممتدة في الزمن.

وتأتي الذروة:

“حذقت المسالك والممالك في خطاك
فمن رماك على المهالك كي تروضها دماك”
— ص143

ايقاع الكاف في:
المسالك، الممالك، رماك، المهالك، دماك
يمنح المقطع غنائية ورهبة، توحد بين الصورة والمعنى.

المرأة

 

يحتاج الشاعر/ المقاتل إلى أدوات تساعده لمواصلة الطريق، ومنها المرأة التي تمنحه الهدوء. في قصيدة “لست سوى صخرة المتنبي”:

“في الطريق إلى شرفاتك أتبعني الماء
وهذا الهواء الذي حمل الياسمين قلائد عشق
تراخى على ساعديك نقشا وحناء”
— ص127

يحضر البياض والهدوء في ألفاظ المقطع. وتبدو العلاقة بين الشاعر والمرأة مركبة: عظيمة وبعيدة، لكنها قريبة بالرغبة والحنين.

وفي مشهد أكثر جسدية:

“وانتفضت بين نهديك شهقة أيل
وبللك العقرب المتراقص فوق السير”
— ص129

مشهد جسدي دون ابتذال، يعتمد على الرمزية والقوة والانفعال.

الديوان من منشورات الأهلية للنشر والتوزيع – عمّان، الأردن
الطبعة الأولى – 2018

الكاتب والناقد رائد الحواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *