ما بين الحلم والواقع تتقافز الشخصيات لتعيش الصراع ما بين كينونتها ورغبتها الدفينة بما ستكون عليه. تطالعنا الرواية بثيمة مجتمعية ومعاناة الأشخاص الذين لديهم إعاقة — الإعاقة هنا ليست جسدية كإعاقة صبرين، ولكن هناك إعاقة فرح ورفضها لكونها أنثى، فهي تحمل المواصفات الجمالية التي تجعلها محط اهتمام، ولكن هي من تحاول أن تغير في هيئتها، فتلجأ إلى حلاقة شعرها وعدم الهتمام بمظهرها، حتى طريقة لعبها تكون مع الأولاد، وخصوصاً بالهجوم على الكرة والاستماتة في الاستحواذ عليها.
العلاقة المتينة بين فرح وصبرين، وخصوصاً بعد رجوع توحة لبيتها في الريف، هذه العلاقة التي يتذمر منها الأب ويحاول تنبيه صبرين منها.
صبرين بعد ابتعاد توحة تحاول أن تخلق لنفسها عالمها الخاص، وكأن الكاتبة أحبت أن تزجها في عالم يجب الاعتماد فيه على نفسها.
بدأت صبرين باكتشاف ما حولها وتحويل هذه الإعاقة إلى شيء مفيد، القراءة والغوص في عالم الكتب، تختار كتب الفلسفة التي تجعلها أكثر فهماً وبالمقابل أكثر تعقيداً، محاولات الأب بإبعادها عن تلك الكتب باءت بالفشل.
المحاور التي ركزت عليها الكاتبة لم تقتصر على معاناة الأنثى في مجتمع متخلف، بل تعدته إلى معاناة الرجل: سي الهادي الذي يحمل سراً داخله، الشك بأن صبرين ابنته، ترك الأم لصبرين عند ولادتها — كل ذلك كان يشكل العقدة الأساسية للرواية.
فرح، الشخصية التي حاولت الانتحار ودخولها لمصح نفسي، خوف الأهل من الإقرار بمرضها، جعلنا نلهث عن مصيرها: هل لازمت البيت ولم تعد للمعهد؟ نظرة الآخرين لفرح؟ ابتعاد الصديقات عنها، ولكن بقيت صبرين تنتظر اليوم الذي تعود فيه فرح.
فرح — هي فرح صبرين في حزنها وأملها بغد أفضل.
البحث عن الهوية
كل الشخصيات تبحث عن ذاتها وسط خضم. “سي الهادي” الذي لم يستطع أن يمنح نفسه حياة جديدة، فبقي أسير الماضي، وقد عاش ازدواجية في الشخصية: فهو المعلم الذي يتمتع بأخلاق عالية، ولكن صبرين تكتشف بأنه يشرب المسكرات، ولكن تتظاهر بأنها لا تعرف ذلك.
ارتباطه بـزهور، الشخصية التي تحاول إثبات ذاتها لمجتمع له معاييره بالنسبة للبنت التي لا تتزوج فتصبح على حد قولهم “بايرة”.
من خلال تشابك هذه العلاقات، حاولت الكاتبة تسليط الضوء على قضايا كثيرة تهم المجتمع، وأهم قضية هي مواجهة الذات وتحويل مصيرها ربما لأفضل، كما حصل مع “صبرين” التي أوجدت لنفسها مكاناً بتحديها لإعاقتها، غرقها في الكتب والقراءة خلقت لنفسها عالمها الخاص، ونيل الشهادة كان أكبر تحد في الحياة.
بالمقابل نجد “فرح”، بالرغم من محاولتها لإيجاد ذاتها قد تاهت وأضاعت الطريق، فهي لم تعد كما كانت ولم تصبح كما أرادت.
كل تلك الشخصيات النسوية تشكل عالم الرواية الذي شدتنا إليه الكاتبة بسردها المشوق واللغة الشاعرية الجميلة، كنا نسمع صوت الكاتبة بين السطور، في كل سطر هناك رسالة ودرس من دروس الحياة.
من بداية الرواية لوسطها كنا نعيش مأساة الشخصيات ونريد انفراجة لهذه الأزمة، وقد أتت في النهاية حين وجدنا زهور وقد قلبت الموازين، عندما اعتقدنا بأنها ستوافق على عرض ابن عمها، فقد توقعنا السيء، ولكن فوجئنا بأنها قد رفضت عرضه.
أسئلة تطرحها الرواية
هناك من الأسئلة الكثيرة التي ترد إلى أذهاننا:
-
هل الإعاقة الحقيقية هي الإعاقة الجسدية؟
-
هل نحاول أن نبني نظريات ونتخذ قرارات بغض النظر عن مجتمع نعيش فيه؟
-
هل غياب أشخاص عن حياتنا يعطينا الفرصة كي نبني حياتنا بمعزل عنهم ونكون أصحاب إرادة؟
الكاتبة سمية جمعة