صراع الروح والجسد
قراءة عامة
الرواية ثمار نضج فني ونفسي، هي الثورة المدروسة بعد انتفاضات أجساد بطلات حبيبة المحرزي، عندما يثقلهن الوعي بالحق في الحياة والحرية والطموح والتوق والانفتاح…
تفاجئنا كعادتها بدخول مناطق حساسة من الوعي البشري، أو لنقل مواضيع مهمشة بفعل المجتمع المنافق المنفصم المكبوت…
هي فئة ذوي الاحتياجات الخاصة / حاملي إعاقات عضوية ونفسية، لكنهم مشبعون بالحياة والوعي والمعارف، تنتصر لهم الكاتبة، ترفع لهم القبعات…
والفئة المهمشة الثانية: أصحاب الجنس الثالث المختلط بين الذكورة والأنوثة… يتواجدون بيننا بكثرة يتألمون لكن لا يجدون صدى لأصواتهم غير صوت حبيبة…
تلخص الحكاية في صراع الجسد / الكتلة المادية / مع الروح، العقل، النفس / القوة المعنوية.
لم تحاول تقديم الحلول أو العلاج أو الحكم عليهم دينياً أو أخلاقياً، كانت محايدة ونجحت في عرض الإشكاليات بكل تجرد لتفسح المجال للجميع بالخوض في الموضوع لا في الحكم على مبادئها وقناعاتها…
البنية الحدثية محبوكة بتمرس شديد، انتهجت السلاسة والبساطة والوضوح دون مراوغة بقارئها، أو تنوع لأصوات رواتها، أو تداخل شبكي أو متشابك للأحداث والمشاعر والصراعات، رغم الرمزية العالية التي تفتح مجالات التأويل.
الحبكة تصاعدية جعلت من الفصول الأخيرة كشفاً لما ورد غامضاً في الفصول الأولى، فباتت كل النقاط الغامضة مفككة بسيطة واضحة في توازٍ منتظم واتساق مدروس مسبقاً.
وحتى النهاية التي وسمتها بـ”المبتورة”، باتت مكشوفة حين دبغتها برائحة اللحم المشوي والفواكه الجافة والسهرات الليلية المشبوهة…
اللغة مبلغة للمقاصد الأدبية، دقيقة منسابة تروق القارئ العربي دون تعقيد، فحتى الحوارات جعلتها فصيحة، إلا البعض الذي يترك البصمة التونسية مثل “يعيش بنتي”…
لغة تونسية بامتياز، حاولت تغيير بعض ما تعودنا مقارعته في قراءاتنا بمرادفات استسغناها بفعل التكرار مثل: رفست، تخشبت (عوض تحجرت)، بحلقت، جفلت، طنجرة، لبلابي، طاجين، هاملة، عيشه راجل، خنثى ذكر…
قراءة في العنوان: “حلم… في جسدي”
عنوان مقنع مشوق لشد القارئ، وفي نفس الوقت مراوغ، لأنه يختلف عن حلم الأطفال بالحلوى والتنزه واللعب المتواصل، وحلم الشباب بالفتاة الجميلة والمال والسيارة والسفر… وحلم الكهول بالستر والعافية والزوجة والأبناء والمسكن والوظيفة، ويختلف كذلك عن حلم الشيوخ بالصحة وطول العمر…
إنه حلم المحرومين من الاستواء والصحة والاعتدال والتشابه والعادي.
إنه حلم المختلف عن الآخر شكلاً أو مضموناً، ظاهراً أو باطناً، معلناً أو مخفياً…
حلم من يرى الجميع أن لا حق له في الحلم.
حلم بين الوعي واللاوعي، حلم بين الذكورة والأنوثة، حلم بين المتحرك والثابت…
ومن منا لا حلم له؟
ومن منا لم يحلم بواقع أفضل مما يعيشه، مما فرض عليه، مما وجده كقدر وقضاء يجب الرضاء به ليكتمل دينه وانتماؤه لهذا المجتمع العربي المعتوه بعاداته ونواميسه في ظل انفتاح أخرق على الآخر؟!
حلم حبيبة في جسدها السوي لن يختلف عن حلم قارئها وحلم أبطالها، فحتام نحمل معنا أحلامنا نخشى البوح بها؟
حتام لا نعيش لذواتنا كما نحب أن نعيشها؟
وكما أعلنتها حبيبة في تمهيدها الكافكاوي…
قراءة في الشخصيات والرموز
الرواية واقعية نفسية بامتياز، لكن الكاتبة أدغمت رموزها واعتمدتها تقنية سردية، فنسجت خيوط الحكائية كثوب ترتق به تمزقات الذات البشرية المختلفة.
صبرين – بدا الجسد سجناً مكبلاً معتقلاً للروح والنفس.
الجسد الرديف السيميائي للحبس، حيث تعيش صبرين حبيسة البيت والكرسي الملولب في الطابق الرابع، منعزلة عن العالم، تراقب من الشرفة الجميع لكنها ترفض أن يراقبوها، أن يشفقوا عليها…
صبرين المفعمة بالحياة والانعتاق والحرية والمعارف تسجن داخل ذاتها، يقوم والدها كسجان، بينما صديقتها فرح ملاذها نحو التواصل والاتصال بالعالم الحقيقي والافتراضي.
هي رمز للإعاقة العضوية ظاهراً، لكن كذلك ترمز للإعاقة الفكرية والنفسية التي رفضت البوح بحلمها والدها منذ الطفولة كي لا تخدش كبرياءها…
رفضت تغيير نمط حياتها، رفضت مزاولة دراستها يومياً، رفضت فرصة النجاة والتحدي كما خاضتها فرح…
هي كذلك صورتها الكاتبة معوقة تقليدية رغم غوصها في الفكر الفلسفي.
فلو أن الفلسفة وكم الكتب الوفير لم يغير من ذات صبرين، فلا فائدة من المطالعة ولا فائدة من التعليم والتعلم والتثقف.
لماذا صورت حبيبة بطلتها مطلعة متفلسفة لكنها لم تفعل شيئاً بعلمها؟
ما هي الرسالة أو الرؤيا المعرفية الخاصة التي اشتغلت عليها المثقفة في واقعها العربي المتردي والمتظاهر بالمواكبات العلمية والثقافية…؟
فرح – صراعها كان مكتوماً يعانيه الأقلية، فشرعت له الكاتبة كي يكون مسموعاً. الصراع النفسي الذي عجز عن تحديده الاختصاصيون النفسانيون، إذ لخصت المشكل في خلل هرموني أو انفصام في الشخصية أو مرض ثنائي القطب… ولم تعمق تحليل هذه الأمراض، ولم تعطي قارئها تشخيصاً طبياً للحالة.
وما أبعد هذه الأمراض عن حالة الفتاة فرح التي كانت لا تعاني جسدا ذكريا، بل روح ذكر متناسية المراهقة والتأثير والتأثر في تلك المرحلة…
فرح رمز آخر لصراع الكمال لا النقص، أو صراع الرغبة في التغيير لولوج عالم يتمتع بالحرية والانعتاق والصلابة والقوة والسلطة…
رمز لتحدي نواميس المجتمع والعادات والتقاليد والدين والدنيا…
سي الهادي – رمز السلطة المهزوزة، فهو العاشق الولهان لابنة المدينة التي قبلت به زوجاً، لكن أهل الريف لم يقبلوا بها خوفاً من تشويه عاداتهم وتقاليدهم.
لكن ينقلب الصراع ليتزوج ابنة عمه الريفية التي استغلت فرصة الزواج منه لا للاستقرار، بل لاكتشاف ملذات العاصمة التي حرمت منها، وقد دفعت الثمن: التخلي عن فلذة كبد مجهولة النسب.
حبيبة قلبت العادات، عرتها فضحتها، حيث خلعت الحياء عن الريف والاستهتار عن المدينة.
سي الهادي سلبت عقله حبيبته الأولى، فعاش دون عقل، دون عاطفة، لذا لازمه الفشل مع الزوجة/المرأة الثانية والثالثة… دون شخصية، دون عاطفة، دون ورع…
صبرين هنا نتيجة تركيبة غير متجانسة…
وسي الهادي تركيبته تقليدية متجانسة جسدياً لكن فكرياً مختلف، ممزق بين الحلم والطموح والواقع، لذلك رأته الكاتبة لا يستحق البقاء ولا التغيير، فأماتته صدفة كي تنهي مأساته وتععمق مأساة صبرين.
الأم/الجدة توحة – حلت في الرواية كشخصية معرقلة، كبلت حياة ابنها، لم تسع لتطويرها بل لتعميق هوة الخوف من القبيلة وأبناء العم… لم تحافظ على إرثه، لم تقاوم… عاشت حبيسة العادات والتقاليد، وراحت لتواصل مأساتها بأرضها محرومة من الزوج والابن والحفيدة والكبرياء…
وهي شخصية مساعدة لأنها حاولت تخفيف أعباء الوحدة والعزلة عن سي الهادي وصبرين، التي حاولت تمرير مخاوفها لها عبر ما تنتقيه من خرافات وأساطير تتماشى مع أهدافها البيداغوجية المميزة…
أب فرح – مريض نفسي ينجب مريضة نفسية، رمز لتوارث الأمراض والهموم والعلل الروحية والنفسية والعقلية…
أم فرح – رمز للمرأة الخانعة الذليلة التي تفشل في إنشاء أسرة أساس التربية فيه الخوف والتخويف من أب يقدس المجتمع والعادات والتقاليد…
المكان = الطابق الرابع في العاصمة
لماذا يختار الأب طوال حياته هذا السكن غير اللائق بابنة عاجزة عن المشي؟
هل عجز عن التفكير وتقدير الأمور؟ لماذا يضاعف مأساة ابنته؟
حيث يحل المكان ضمن خانة المعرقلات التي حالت دون ممارسة صبرين حياة عادية.
صراع تقليدي بين الأمكنة / بين الريف والمدينة، بين الشقة والشارع والفضاء المدرسي / بين الأعلى والأسفل…
ربما الرمزية الوحيدة للطابق الرابع: حب الاستعلاء بالحلم والطموح والثقافة والأدب.
الزمان
أرادت حبيبة أن تكون روايتها شاهداً على العصر، فجعلتها مواكبة لعصر الفيسبوك والانستقرام والتيكتوك، وحرب غزة وحنظلة والزلزال والإعصار…
خلاصة القول
في الظاهر، تعالج الرواية قضية المختلف / المشوه، ولكن في الباطن تعالج قضايا مجتمعنا الذي نواكبه، نعايشه يومياً؟…
كشفت حبيبة الحجاب الحاجز عن أسرار البيوت العربية المتخبطة في الأزمات الاجتماعية والنفسية والمادية، صراع المكان والزمان ومتطلبات العصر، والعلاقات الفيسبوكية، والخيانات المكتومة الطاهرة والمعلنة العابقة بالحرام.
والأهم هو الصرخة المدوية لإيلاء النفوس مراكز الرعاية النفسية، لأنها إن لم تعالج، لن يبقى لها من مهرب غير الانتحار للرحيل برغبة ذاتية مفعمة بالانعتاق من ربقة الجسد، فيصبح ذاك حلماً.
لي الكثير من البوح لكن الوقت مراوغ…
بورك القلم الفذ والعقل الحصيف، ودمت مبدعة متألقة أستاذة حبيبة المحرزي // تونس.
الكاتبة سيدة بن جازية