ما إن يتجه الجميع إلى مخادعهم، وتخفت الأصوات التي كانت تملأ زوايا البيت هرجًا ومرجًا حتى ساعةٍ متأخرةٍ من الليل، تبدأ رحلتها اللولبية؛ وكأنها شرطيّ يبدأ مناوبته اليومية بعد منتصف الليل.
الجميع يغلق أبواب غرف نومهم،
إلا باب الغرفة التي أتشاركها مع أختي؛
ذلك الباب الذي أحرص، مرغمةً، حتى في أيام الشتاء، أن أبقيه مواربًا،
لأجل مصباح الصالة الخارجية الذي أستعير ضوءه من خلال تلك الفتحة الصغيرة.
أختي — التي حصلت على وظيفة فور تخرجها من كلية الهندسة — تستيقظ باكرًا.
تفرض شروطها فيما يجب ولا يجب.
أما أنا، التي لم أحظَ بما حظيت به،
فيجب أن أطيع، لأنني “أنام ساعات طوالًا”… هكذا تقول.
هي لا تدري أنه عندما تدس يدها تحت وسادتها لتخرج عدة حصادها اليومي؛
مرآةٌ في يد، وملقطٌ في اليد الأخرى تشذب به حاجبيها ثم تغطّ في نومٍ عميق،
أدسّ أنا يدي مثلها تحت وسادتي،
ولكن… لأخرج كتابًا.
كتابًا كأنه عملةٌ ممنوعة من التداول،
أساهره ويساهرني حتى انبلاج الفجر.
قد تسألون:
لم أفعل هذا وأنا أحوج ما أكون إلى النوم؟
الحقيقة أن عدد أفراد أسرتنا الكبير يحتّم علينا ملازمة والدتي في كل عمل.
وهذا أيضًا اعتقادها: بما أننا فتيات، فالشهادة الجامعية — حسب رأيها — تعني انتهاء علاقتنا بالكتب.
وللأسف، أنا تمرّدت على هذا الاعتقاد.
أصابتني عدوى القراءة من إخوتي الكبار من الشباب — الأمر الذي لم يكن يروق أمي، فهي ترى أن هذا الأمر “للرجال فقط”.
صوت خطواتها يبتعد ويقترب،
وفق الأماكن التي تتفحصها.
أسمع زحزحة كرسي تعيده لوضعه،
طاولةٌ تعاد إلى مكانها،
زرابي تُهذَّب،
وكؤوسٌ منسية تُجمع…
مع همهمات تكشف عن تململها من “عبثنا” وقلّة مسؤوليتنا.
لكن أكثر ما يقلقني…
عندما تتجه خطواتها نحو المطبخ.
تبدأ المعركة هناك:
جلبة الأواني،
فتح وإغلاق الخزائن،
وإعادة ترتيب الفناجين بحسب اتجاه “اليد”.
كانت دائمًا تقول:
«كم مرة نبهتكن! لازم إيد الفنجان تكون باتجاه واحد!»
أحاورها أحيانًا:
«ماما، مين حيفتح الخزانة ليراقب الاتجاه؟»
فترد بنظرتها الغاضبة:
«ولو! هيك ست البيت لازم تكون!»
كنت أكتم امتعاضي،
لأن هذا الطقس الليلي يربك متعتي التي أترقبها طوال النهار.
وأحيانًا تفلت مني صيحة:
«مامااا، شو عم تعملي؟ بكرا أنا برجّع كل شي مكانه!»
فتنهال عليّ التقريعات…
وألوم نفسي لأنني كشفت عملي السري.
تفتح باب غرفتي، وملامح الحنق تسبقها:
«وانتي شو مسهّرك؟!»
أحاول التبرير بأن أصوات المطبخ تزعج نومي.
تنظر إليّ مطولًا… ثم تغلق الباب.
أبقى مترصدةً لحظة سمـاعي صوت باب غرفتها وهي تغلقه،
لأعود خلسة إلى مواربة الباب،
وأتابع طقوسي الليلية مع كتابي.
واليوم…
ها أنا أتابع رحلتي اللولبية.
أطفئ نورًا،
أعيد كرسيًا إلى موضعه،
ألملم بقايا السهرة:
كأس من هنا،
وزجاجة ماء من هناك،
أرتب المشبك،
أعيد الأواني،
أهمهم… وأنتقد… وأتململ…
تمامًا كما كانت تفعل.
وحين أبدأ رحلة اصطفاف الفناجين المستفزة في عمق الليل،
ينطلق صوت من إحدى الغرف ذات الباب الموارب:
— «ماماااا، ماذا تفعلين؟! ليس ثانية!»
الكاتبة سمية الإسماعيل