بعد أسبوع، أتى أخوها ليطمئن عليها فسألها:
– هل يعيش زوج الخادمة شيكا معكم في البيت؟
فأجابته بأن شيكا غير متزوجة، وأنها قد طردتها من المنزل، ولا يوجد رجل أسود في بيتنا. ثم سألته باستغراب:
– كيف خطر على بالك هذا السؤال؟
قال:
– رأيت منذ قليل رجلاً أسود يقف في نافذة غرفة نومك المطلة على الشارع وأنا قادم إلى هنا.
انتابتها رعشة من الرعب وهي تتخيل وجود رجل أسود في غرفتها. تمالكت نفسها، وغيرت مجرى الحديث إلى وضع زوجها المهندس المتقاعد، الذي تتشاجر معه باستمرار لأنه يرفض العروض المقدمة إليه للعمل استشارياً في الشركات الخاصة، مفضلاً الجلوس طوال النهار في البيت ومشاهدة التلفزيون. وفي آخر كل شهر يرسل جزءاً من راتبه التقاعدي إلى ابنته لمياء من زوجته السابقة.
بدأ المنزل يتغير؛ الغرف ازدادت برودتها، وخصوصاً غرفة نومها بالذات. أخذت تتخيل وجود آثار أقدام في الممرات، والمرايا تغشّتها طبقة من الضباب في الصباح الباكر، وما تلبث حتى تزول من تلقاء نفسها. حاولت أن تتجاهل كل ذلك، إلى أن شاهدت في منامها رجلاً أسود، تومض عيناه بنور أحمر خافت، يرتدي وشاحاً وقبعة سوداء. كان وجهه المتجعّد القاسي يحكي قصص معاناة طويلة عاشها لمئات السنين، ويحاول أن يتقرب منها.
أصابتها نوبة ذعر مفاجئة، وأخذت تحرك يديها في الهواء لتدافع عن نفسها. أحست بأنها تعاني من أزمة قلبية، وأنها على أبواب الموت. استيقظت مرعوبة، واندفعت إلى غرفة نوم زوجها لتخبره بالكابوس الرهيب.
دخلت الغرفة لتجده ممدداً على سريره، وجهه شاحب يميل إلى الزرقة، فمه ملتوٍ ومفتوح من الألم، وعيناه شاخصتان نحو السقف، ما يدل على صدمة مخيفة شاهدها أثناء وفاته. اتصلت بالشرطة مباشرة، وأخبرتهم بأن خادمتها السابقة شيكا قتلت زوجها. انتقلت الشرطة إلى المنزل وتحفظت على الجثة، لكن الطبيب الشرعي أكد لاحقاً أن الوفاة طبيعية ناجمة عن جلطة قلبية، وطُويت القضية.
ذهبت لاستشارة طبيب العائلة، فأخبرها بأن صحتها جيدة، وأنها تعاني من ضغوط نفسية ناتجة عن وفاة زوجها والكوابيس الليلية. لا داعي للقلق، نصحها بممارسة الاسترخاء، كاليوغا والمشي يومياً لمدة ساعة، والاعتناء بنظامها الغذائي. وصف لها دواءً مضاداً للاكتئاب. عادت إلى منزلها وهي تعلم أن الأمور ليست على ما يرام.
الليلة الأولى
في الصباح استنشقت الرائحة الغريبة نفسها التي تشبه رائحة الصمغ والخشب المحروق، تلك التي كانت تفسرها سابقاً بأنها رائحة جسد شيكا. هالها أنها سمعت صوت دندنة بالنغمة نفسها التي كانت تسمعها من شيكا أثناء تنظيف البيت.
فجأة، سمعت صوتاً صادراً من خزانة ملابسها. فتحت الخزانة فلم تجد شيئاً، سوى أن ملابسها كانت تتحرك بنعومة، وكأن شخصاً مرّ بجانبها قبل لحظة.
أدركت أنها على وشك فقدان عقلها. نصحتها أختها بالذهاب إلى بصّارة اسمها فاطمة، وهي همزة وصل بين عالم الأحياء وعالم ما بعد الحياة، وأعطتها عنوانها في حي البسطة في بيروت القديمة. ذهبت الست ناديا وحدها، إذ تصرّ العرّافة على مقابلة زبائنها على انفراد.
نظرت فاطمة إلى وجهها الشاحب المرهق نتيجة الأرق والخوف من تكرار الكوابيس. بعد أن تقاضت مبلغاً كبيراً من المال، أعطتها زجاجة كبيرة مملوءة بالماء المسحور. كانت قد كتبت طلاسم ورموزاً شيطانية على أوراق معينة، ثم أذابتها في الماء وأضافت إليه الزئبق ليكون سماً فتاكاً. نصحتها برش الماء في أرجاء البيت قبل النوم.
الليلة الثانية
في الليلة التالية، بدأت الست ناديا ترش الماء المسحور على عتبات الأبواب والجدران وأرضيات الغرف للقضاء على الجن المختبئين في الجدران. أغلقت باب غرفتها بالمفتاح.
عندما استيقظت، وجدت آثار مخالب عميقة جداً على الأرضية الخشبية حول سريرها. نادت قطها المدلل كارلوس فلم تجده. لقد اختفى دون سابق إنذار. ومن المعروف أن القطط تبطل السحر، ولعل القط شعر بوجود قوى لا يستطيع مواجهتها ففرّ هارباً. لكنها لم تبالِ، واستمرت في رش الماء للتخلص من الجن.
الليلة الأخيرة
استيقظت في منتصف الليل على صوت حركة غير طبيعية، وتخيلت أن أحدهم جاء ليقتلها. نظرت حولها فوجدت دائرة كاملة من الملح الأبيض تحيط بسريرها. كان عليها أن تخطو فوق الخط لتغادر سريرها، ولم تنتبه إلى خطورة ذلك.
لفت انتباهها وجود دمية خشبية صغيرة حمراء، ملفوف حول رقبتها خيط أسود داخل الدائرة. خُيّل إليها أنها تشبه خادمتها السابقة شيكا. ومن شدة كراهيتها لها، قررت أن تحرقها، فالنار تبطل السحر.
ما إن حملتها حتى شعرت بنبضات قلبها. ازداد حقدها، فأشعلت فيها النار. صرخت الدمية من الألم، وبدأ جسمها يتآكل قطعة قطعة وهي تدمدم بتعاويذ سومرية غير مفهومة حتى فارقت الحياة.
بوفاتها، ومضت لمبات الكهرباء وانحرقت، لتغرق الغرفة في سواد خانق. همس شيء ما في أذنها:
– لقد أسأتِ لابنة زوجك، ما جعلها تترك بيت أبيها وتهرب إلى كندا. لقد كنتِ قاسية وسيئة مع الجميع.
انفجرت الغرفة بالفوضى، وبدأ الجن يرقصون على الجدران، وملأت صرخاتهم المكان. فتحت الست ناديا باب المنزل، وركضت مذعورة إلى الشارع بملابس النوم وهي تصرخ:
– الجن سيطروا على المنزل… لقد تلبسني جنيّ عاشق أسود!
الكاتب أمين الساطي