كان هشام يعتقد بأنَّ كلبه كاسبر من نوع البيتبول الممتلئ بالعضلات، والمعروف بشراسته أكثر من مجرد كلب، فهو روح ثانية تسير خلفه لحمايته، لقد ربّاه منذ أن كان جرواً صغيراً، وعاشا معاً لأكثر من أربع سنوات، كان كاسبر خلالها ينام في سرير هشام تحت قدميه، ما أعطاه شعوراً بالراحة والثقة المطلقة تجاه سيّده الذي أصبح بمنزلة الإله بالنسبة إليه، ظلت الأمور تسير على هذا المنوال حتى ظهرت فتاة في حياة هشام.
تعرَّف هشام على فتاة تعمل في خدمة البيوت بالقرية، وتقدّم المساعدة مقابل أجر يومي، وتوثقت علاقته بها، أما فيما يتعلق بكاسبر، فلقد بدت الخادمة بأنها لصة تحاول أن تسرق اهتمام سيّده، بعد فترة طرد هشام الكلب من غرفة نومه، وحلت الخادمة الجديدة في فراش هشام، أحسَّ كاسبر بأن هذه المخلوقة قد دمرت الرابط الوحيد الذي كان يربطه بهذا العالم الخارجي من خلال صاحبه هشام، لقد سرقت منه أعزّ ما يملك.
في إحدى المرات أمضت ليلتها في غرفة هشام، وكان كاسبر جالساً وحده في الردهة بجانب الباب، عندما شاهدها تخرج وحدها من الباب، شعر بأنه قد وصل إلى نقطة الانهيار، فهاجمها بوحشية، وبالكاد تمكنت من الصراخ، قبل أن يسحق بفكيه حلقها، ويسكتها إلى الأبد. اندفع هشام خارجاً من غرفة النوم، وهو يلهث من الرعب من صوت أنين الخادمة، ونظر حوله فوجد بقع الدماء تغطي الأرضية، والكلب كاسبر واقفٌ بجانب جثتها، يلعق وجهها بلطف وذيله يهتز، لم يكن حقداً، إنه مجرد حق بالدفاع عن ملكيته الخاصة.
في البداية خاف هشام من منظر كاسبر، وأراد أن يصرخ ليبعده عن الجثة، لكن كاسبر اقترب منه وهو يلهث وبعيون تدمع بتفانٍ يائس، ليظهر ولاءه لسيّده، لقد كان يحمي الإله الذي برأيه أنه له وحده، تفهَّم هشام موقف كلبه، وداعب فراءه الملطخة بالدماء، فدفع كاسبر رأسه في صدر سيّده هازاً بذيله معبراً عن ارتياحه، لأن صاحبه قد عفا عنه، قال هشام بصوت مكسور، إننا فقط نحن معاً إلى الأبد.
أدرك هشام خطورة الموقف الذي أصبح فيه، نظَّف الكلب والأرضية من الدماء، ثم جلب بطانية ولفَّ بها جثمان الخادمة المشؤومة، وانتظر قدوم منتصف الليل، فحفر حفرة صغيرة بسرعة، بالكاد تتسع لجثة الخادمة وطمرها بالتراب، وعندما انتهى من مهمَّته أحسَّ بأن الجثة لم تكن على عمق كافٍ تحت التراب، فخطر له أن ينقل بيت كاسبر الخشبي الذي في الحديقة، ويضعه فوق موقع الجثة، لكي يضمن أن أحداً من الحيوانات لن يفكر بنبش القبر.
لم يكن ضمير هشام يساعده على القيام بهذا العمل، لكن تصوّره كيف سيكون موقفه لو استدعى الشرطة إلى بيته فور مصرع الخادمة؟ إن أول ما ستقوم به الشرطة هو التحقيق حول علاقته بالخادمة، ثم سيخسر سمعته ووظيفته كمدرس للجغرافيا في مدرسة القرية، وربما قد تحكم عليه المحكمة بالسجن لتسبّبه بالإهمال في قتل الخادمة، أما فيما يتعلق بكاسبر فليس أمامه سوى الموت الرحيم.
بعد هذه الحادثة أصبح هشام بعقله الباطن يشعر بالخوف من كاسبر، ولم يعد يجرؤ على أن يبقيه في غرفة نومه في أثناء الليل. أصبح كاسبر يقف معظم الوقت أمام بيته الخشبي فوق موقع الجثة، كأنما كان يخشى أن يأتي أحدٌ لينبش القبر ويكتشف جريمته. ولقد أخذ كاسبر في الفترة الأخيرة ينبح طوال الليل نتيجة التوتر والقلق من تداعي علاقته بسيّده والخوف من الظلام الدامس في الحديقة، وزاد من مخاوف هشام، أن أحد الجيران اشتكى من الإزعاج الذي يسببه نباح الكلب في أثناء الليل، وأدرك أن عليه أن يحدَّ من خطورة تصرفات كلبه.
في إحدى الأمسيات، تمشَّى هشام مع كلبه خارج القرية، جلسا تحت شجرة جوز، وأخذ هشام كعادته يربت على ظهر كاسبر ويلاعبه، فجأةً أخرج سكيناً صغيرة من جيبه، وطعن بها كاسبر في رقبته، لكن كاسبر لا حظ متأخراً نصل السكين وهي تهوي على رقبته، فالتفت برأسه لتجنّبها، فوقع جزء من رأس السكينة على طوقه البلاستيكي وجزء على عضلات رقبته، وسالت نقاط الدم، فتحامل كاسبر على نفسه، وهو من فصيلة مشهورة بقوتها وشراستها وتحمّلها للألم، وأدرك أن سيّده الذي يعبده قد غدر به، إنَّ ولاءه لهذا السيد قد انتهى، وإن عليه الآن أن يدافع عن نفسه.
بعد يومين عثر أحد الفلاحين على جثة هشام تحت شجرة في أحد الحقول، وقد ظهرت عليها آثار عضات مروّعة، كما أنه جرى التهام كف وجزء من ذراع الجثة، وأن صاحبها قد توفي نتيجة لفقدانه كمية كبيرة من الدماء.
منذ ذلك الوقت اختفى كاسبر، بعد أن ترك جثة سيّده التي أقسم ذات يوم على حمايتها بروحه في العراء، لا شكَّ أنه قد انضم إلى أحد قطعان الكلاب السائبة التي تعيش خارج القرية، ليجد في هذا القطيع الحماية والغذاء والتكاثر بعيداً عن الإنسان، وقد يحالفه الحظ نظراً لشراسته وقوته لكي يصبح قائداً لهذا القطيع.
الكاتب أمين الساطي