في تلك الليلة، وتحت الناموسية التي نصبتها زوجته غاضبةً من كسله المعتاد، تمدد نصف نائم. كانت تتذمر بصوت مرتفع، متهمةً إياه بحجته التي لا تتغير: “دعيني أنام… غدًا يوم طويل.”
لم يكن يدري أن الليلة ستكون أطول من كل الأيام.
لفت نظره وميضٌ صغير في باب المنزل الحديدي، كأن خيط ضوءٍ ينزلق من بين ذرات المعدن. ظل يحدق فيه، وإذا بالنقطة تنمو، تكبر، حتى انفجرت منها هيئةُ طفلٍ عجيبة… نصفه الأعلى بشري، والأسفل معدنٌ مشوه.
فرك عينيه غير مصدق. التفت إلى زوجته، فوجدها تغط في نومٍ عميق، شخيرها يتصاعد بهدوء. همّ أن يعود إلى وضعه، لكن الطفل كان فوقه تمامًا، يحدق فيه بعينين لا تعرف الرحمة. مد إصبعه… وسحبه من سريره بسهولة كما تُنتَزع قشة من العجين، دون أن تتمزق شبكة الناموسية!
طار به الطفل عاليًا، البيت يصغر تحته، والسحب تلتهم الضوء. كانت السرعة تتصاعد، وهو يصرخ:
“لست دمية يا صغيري! أين تأخذني؟”
لم يكن هناك جواب، سوى عينين من حديد ووجه طفولي.
ثم… سقوطٌ مفاجئ.
هبط في مكان غريب، بناءٌ فيروزي اللون، تتوسطه قبابٌ لا تُعد. داخله كان جمعٌ من الناس، سُحنات مألوفة وغريبة، كأنهم خرجوا من كتب التاريخ. رجال ونساء في صمتٍ مهيب، يتأهبون لطقسٍ مجهول، وطفله يشده من جديد.
صعد به إلى سماءٍ مزينة بنجومٍ ضخمة، تبرق كالمرايا، وصوتُ لا يُسمع يملأ الفراغ. وفجأة، بلا مقدمات، كان في فراشه من جديد… الناموسية ما زالت معلقة، والوسادة دافئة.
نظر إلى السقف، والنجوم تتساقط من كثرتها.
عند الفجر، لاحظت زوجته احمرار عينيه. همّت أن تسأله، لكن ابنته الصغيرة جذبَت انتباهها. جلس بصمتٍ يحتسي شاي الصباح، متسائلًا عن حقيقة ما حدث.
من كان هذا الطفل؟ وكيف اتحدت ذرات الحديد بخلايا الإنسان؟ لمن كانت هذه الخلايا؟ وهل إن أخبر زوجته، ستصدقه؟
وهل سيصدقه أحد أصلًا؟
رن جرس العربة التي تقله إلى عمله، فوضع كوب الشاي، وفي قلبه سؤال لم يجب عليه أحد:
هل عدتُ حقًا؟ أم أنني ما زلت عالقًا هناك، في بؤرة من الضوء الفيروزي؟
الكاتب مبارك اسماعيل ودحمد