استيقظ قبل الفجر بقليل. ليس لأن القصف عاد، بل لأن الصمت طال أكثر مما يجب. في أماكن النزوح، الصمت علامة سيئة. مدّ يده يتحسس صدره، القلب ما زال هناك، لكنه يتصرف كغريبٍ استأجر الغرفة مؤقتًا. خرج من الخيمة. الهواء بارد، محمّل برائحة غبارٍ وطبخٍ بائس، وأصواتٍ بعيدة لأطفالٍ تعلّموا اللعب دون ألعاب. غسل وجهه من جركانة الماء، لم يكن ماءً تمامًا، كان خليطًا من تعب الأمس وخوف الغد. قال في سرّه:
نحن لا نغتسل هنا… نحن نخفّف الذاكرة فقط.
المعسكر يستيقظ ببطء، كمدينةٍ فقدت اسمها ولم تعد تبحث عنه. الناس يمشون بلا اتجاه واضح، كأنهم ينتظرون أن تعترف الأرض بهم من جديد. على طرف الساحة، رأى طفلًا يشبهه. ليس في الوجه، بل في الانحناءة الخفية للكتفين. يحمل كراسة مدرسية بلا غلاف، يمسكها كما لو كانت وطنًا صغيرًا لم يُقصف بعد. تقدّم الطفل خطوتين، ثم توقف وسأله دون صوت:
— كبرنا؟ كفاية عشان ننسى؟
لم يُجب. في الحرب، بعض الأسئلة تُعتبر رفاهية.
مرّ بجانب رجلٍ يجلس على حجر، يشبه أباه… ولا يشبهه. نفس الصمت، نفس النظر إلى مكانٍ لم يعد موجودًا. كان يحتسي شايًا خفيفًا، كأنه اعتذارٌ متأخر عن حياةٍ لم يستطع حمايتها. امرأة عبرت الساحة، تجرّ خلفها ظلًا أثقل من جسدها. عرف فورًا أنها فقدت أحدًا، لأن الفقد هنا لا يُخفى، هو يمشي أمامك بلا خجل.
تذكّر فجأة: القلوب في الحرب لا تنكسر دائمًا، أحيانًا تتخشّب… وأحيانًا تتعلّم الصبر كحرفةٍ يومية. كان قريبًا من الموت أكثر مما يظن. مرةً حين صدّق وعدًا بالعودة السريعة، مرةً حين أحبّ المدينة أكثر مما يجب، ومراتٍ كثيرة حين انتظر. لكنه نجا. ليس لأنه شجاع، بل لأن أحدًا ما ناداه في اللحظة الأخيرة:
— ولدي!
— تعال!
— أو ربما كان صوته الداخلي الذي تعلّم المشي وحيدًا بين الخرائب.
الآن يعرف: الحياة لا تُقاس بعدد القذائف التي نجونا منها، بل بعدد الأشياء التي ما زلنا نحملها: صور الراحلين، ومن استشهدوا من الأقارب في هذه الحرب اللعينة. دون أن نكره أنفسنا. نعرف أن الوطن ليس علمًا ولا نشيدًا، بل وجوهًا في المعسكر تبتسم رغم الفقد، وتكمل اليوم وهي ناقصة.
مشى. والأيام مشت به. متعادلان في الخسارة. لكنه يسبقها أحيانًا بخطوة أملٍ صغيرة لا يراها أحد. قال لنفسه:
لا بأس… يكفي أنك ما زلت تفتح عينيك كل صباح، وترى أهلك وإخوتك في الوطن لا زالوا يوقدون نيران شاي الصباح، ويحكون قصصًا مليئة بالوجع والندامة، وتصدّق — ولو كذبةً بيضاء — أن الضوء لا يأتي ليقصفك.
سلامٌ على هذا الصباح الذي لم يعد بشيء، لكنه لم يخن. سلامٌ على القلوب التي شُفيت جزئيًا، وتابعت الحياة بضمادٍ من معنى. مشى… وكانت الأرض، رغم كل شيء، ما تزال تقبل خطاه.
الكاتب مبارك اسماعيل ودحمد