كتاب “النزعة الصوفية والتأملية في شعر منذر يحيى عيسى” لعبير خالد يحيى قراءة للكاتب والناقد رائد الحواري

تعرف الباحثة “عبير خالد يحيى” الصوفية بقولها:

“التصوف اضطراب؛ فإذا ما وقع السكون فلا تصوف” (ص11).

وهذا تعريف مغاير لما نعرفه عن التصوف الذي يعني الهدوء والسكينة والتأمل. ثم تقودنا إلى الصوفية الأدبية بقولها:

“والظاهرة الصوفية في النص تتحرر من المرجعية الدينية، وتستبقي الجانب الإنساني، والرغبة بالسمو البشري والسلام الداخلي. طبيعة النص الصوفي تلائم التعطش البشري للتواجد بآليات سردها، وفنياتها البلاغية، ولا يمكن تصنيفها كأدب إسلامي بل كأدب روحي” (ص11).

هذا التعريف يتوافق مع مفهومنا للتصوف، فالسلام / الهدوء / السكينة / الراحة هي وسيلة الصوفي للوصول إلى الحلول. وإذا ما علمنا أن الأديب / الشاعر أكثر الناس حساسية، ويمكن لمشهد / لكلمة عابرة أن ترفع مشاعره أو تنزلها إلى الحضيض، وأن الشاعر / الأديب دائم الاضطراب والبحث عن الحقيقة التي تؤرقه، أمكننا فهم تعريف الصوفية التي جاءت به الباحثة آنفاً.

ثم تنقلنا إلى تعريف / مفهوم “القصيدة الصوفية المعاصرة” وطبيعتها وتكوينها بقولها:

“هي تجربة في غاية التميز، إذ أنها تفرغ المفردات اللفظية من دلالاتها السيمائية وتأخذها باتجاه المعاني الروحية، وتحملها بحمولات إيحائية تقصيها تماماً عن التأويلات الأولية… والوقوف على القيم التي تحملها تلك الألفاظ التي تميز اللغة الصوفية” (ص17).

إذن هناك علاقة بين مضمون القصيدة الصوفية، والألفاظ التي تحملها. بمعنى أن هناك علاقة بين المضمون / الجوهر والشكل، فهما يحلان معاً، ويجب فهم النص الصوفي ضمن هذا الحلول / التماهي بين فكرة النص وألفاظه.

ثم تعرفنا باللغة الصوفية بقولها:

“إن اللغة الصوفية تجنح للرمز والإيحاء لتصنع عالمها الخاص الذي يميزها عن اللغة المعتادة في الحياة اليومية، والرمز هو الخلاص، لا لأن اللغة العادية عاجزة عن احتضان التجربة الصوفية” (ص26).

وهنا تقتبس مقطعاً من ديوان الشاعر منذر يحيى عيسى:

“في غيابك… أكون أنت
وفي حضورك الطاغي قد لا أكون…
قوافل الضوء تعبر خفافا
فتشرقين كواكبا يرفل بالمعاني
وتعيدك إلى صدمة الضياء” (ص27).

في هذا المقطع يمكننا إيجاد الاضطراب / الصراع من خلال: “غيابك، حضورك”. كما نجد القسوة: “الطاغي، صدمة”. ونجد البياض الكامن في: “قوافل، الضوء خفافاً، حضورك، تشرقين، كواكبا، الضياء”. واللافت في هذا البياض أننا نجد فيه ما هو أرضي: “حضورك، قوافل، خفافاً”، وما هو سماوي: “الضوء، فتشرقين، كواكبا”. وهذا يخدم / يعمق / يرسخ فكرة الصوفي الذي يسعى للتحرر مما هو أرضي ليصل إلى ما هو سماوي.

كما نجد وسيلة / طريقة الخروج من الأرضي إلى السماوي من خلال: “خفافاً، يرفل”. وهذا ما يجعل فكرة الحلول ترسخ في المتلقي، حيث جاءت بطريقة متناسقة.

تتوقف الباحثة عند التناص الذي جاء في ديوان “وحيداً ستمضي”، فتتوقف عند التناص القرآني، التناص الأسطوري، التناص الأدبي. ثم تدخلنا إلى عالم الفكر من خلال توقفها عند: “تضادية الموت والحياة، فلسفة الحب، فلسفة البدايات، فلسفة الحضور والغياب، فلسفة العدد، فلسفة الشك، فلسفة القيامة والبعث، فلسفة الحزن”.

ويمكننا إيجاد الغياب والحضور في المقطع السابق، وفي هذا المقطع:

“لماذا أدخل في جحيم المعاناة
فأنت غائب…
الغياب حقيقة
لكنني سأحضرك كل حين
بطقس الحنين…” (ص48 و49).

إذا ما عدنا إلى علاقة الفكرة / المضمون بالألفاظ التي تحدثت عنها الباحثة آنفاً، يمكننا إيجاد تطبيقاً عملياً لها في هذا المقطع. ففكرة الغياب حاضرة في تكرار: “غائب، الغياب”، والحضور نجده في “سأحضرك”. هذا على صعيد الفكرة / المضمون. أما الغياب والحضور في الألفاظ، فنجد الغياب في: “جحيم، المعاناة”، والحضور في “حقيقة، حين، الحنين”. فنلاحظ تكرار حرفي القاف في “الحقيقة”، اللذان من خلال لفظهما (قا / قا) يمكن للسامع / للمتلقي أن ينتبه إلى إيقاع اللفظ ويشعر بأن هناك حضوراً صوتياً، يدفعه للتوقف عند الحقيقة.

كما نجد في “حين، الحنين” تماثل الحروف في تركيباتهما، فحروف “الحاء والياء والنون” مكون أساسي فيها، وهذا أيضاً يدفع المتلقي / السامع إلى الانتباه والتيقظ إلى وجود حضور لشيء ما من خلال تكرار الحروف.

القسم الثاني

في القسم الثاني من الكتاب تتناول الباحثة الومضة التي جاءت في ديوان “بارقات تومض في المرآيا”. فتتوقف عند التسميات التي أطلقت عليها، مستشهدة بتعريف الشاعر الفلسطيني “عز الدين المناصرة”“التوقيعة”، متحدثة عن طبيعتها وشكلها:

“قصيدة قصيرة جداً من نوع ‘جنس الحافة’، تتناسب مع الاقتصاد، والسرعة، وتتميز بالإيجاز والتركيز وكثافة التوتر، عصبها المفارقة” (ص70).

ويمكننا إيجاد الومضة في المقطعين السابقين، والتعرف عليها وعلى تركيبتها وطريقة التي تقدم بها.

تستشهد الباحثة بمقاطع عديدة لتبين جمالية وأهمية ودهشة الومضة / التوقيعة. من هذه الاستشهادات:

“المستحيل
مصطلح كأنه خرق
قد من قُبل ومن دبر
بها نحاول ستر عورات
عرينا الملسوع
وما نعجز عن بلوغه
وقد سبقنا الثعلب
بحكايته مع العنب…” (ص80).

نلاحظ دقة التكثيف والاختزال، وحجم الفكرة / المضمون واتساعه. فالاختزال نجده في ألفاظ القصيرة / الصغيرة: “خرق، قدت، دبر، ستر”، التي يقابلها ألفاظ كبيرة وقاسية: “عورات / عرينا، الملسوع، نعجز”. وهذا ما يجعل فكرة “المستحيل” تترسخ في المتلقي وتجعله يعي طبيعة ما هو مستحيل، الذي نجده في حكاية الثعلب والعنب / الحصرم.

ملاحظات على الكتاب

توقفت الباحثة كثيراً عند نصوص تتناول الفراشة (ستة نصوص). كان يمكنها البناء عليها وأخذها إلى ما هو أبعد من كونها مجرد نصوص يستشهد بها لتبيان طبيعة ومكانة وأهمية الومضة / التوقيعة، بحيث تكون نافذة لنا لمعرفة طبيعة الشاعر المضطرب / الباحث / الساعي نحو النور / الضياء. فهو يحوم حول شعلة الضياء التي يريد الحلول فيها ليصعد / ليصل إلى مبتغاه في السماء، فيكون مع الشعلة / الضياء كائناً واحداً يبهر الناظرين إليه / إليهما. وهذا يعزز فكرة الصوفي / الصوفية في أعمال الشاعر، وفي الشاعر نفسه.

 

الكتاب من منشورات دار آراء للطباعة والنشر والتوزيع، بغداد، الطبعة الأولى 2025م.

 

الكاتب والناقد رائد الحواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *