كسور ل د. ندى مأمون إبراهيم

اجتهد المسعف الشاب في إحكام الرباط على ذراعها.

ناولها المسكن وهم بالنزول من سيارة الإسعاف. قبضت بيدها السليمة طرف ردائه الطبي، وسألته:

  • “هل تزوجت؟”

نظر إليها مستفهمًا عن غرابة السؤال!

دمعت عيناها وقالت:

  • “الأفضل لك أن لا تفعل.”

شد طرف ردائه من قبضتها، وترجل من السيارة، وهو يغلق الباب عليها.

صفير سيارة الإسعاف يزعجها ويزيد من طنين أذنها. ممدة داخل تابوت السيارة بلا رغبة في الوصول، حملها طاقم التمريض إلى داخل المشفى على سرير معدني. عباراتهم الأعجمية تتطاير حولها، لا تعبأ بهم، والمورفين يسري في عروقها ينقلها بين يقظة وسكر.

ذلك الأبله التعيس أسقط جنينها، وكسر ذراعها.

شق حقيبتها بالسكين، وسرق بطاقاتها الائتمانية. سكان البناية يعلمون قذارته، لم يجرؤ أحدهم على الدفاع عنها. تركوها كعجين بين يديه، كسور يدها لم تكن مشكلة، لكن كسور قلبها كانت أشد.

تشكر الله الآن على رحيل جنينها من رحمها. إنه عصفور في السماء، لن يكون تحت رحمة قبضة التعيس. ثلاث سنوات، وهي تهدده بالرحيل. كان يراها أضعف من صرصار سكن مطبخها المتهالك، ولم يكن يصدقها.

سرق قلبها في الماضي من بين قلوب أسرتها. استأثر به، وحلق بها في مدن الخيال. هربت معه، ظنت أن في القصة “سندريلا”، لكنها لم تقابل سوى الوحش.

أبعدها أميالًا كثيرة عن موطنها. زرعها في حقله البائس وترك غصنها يموت. حبسها معه بين جدران شقته القديمة. الجوع أهلكها، وأهلك صرصار المطبخ، وقَطْعَة والديها كانت مذلة.

أخرجتها فصول البؤس والجوع للبحث عن عمل، ووجدته “بائعة في متجر حواسيب”. وعندما علم، تبسم بنظرة خبيثة، وتمدد على أريكة الصالون في ارتياح، وعقب سجارته يحرق السجاد المتسخ. لم يكن عملها فقط مقصده. أفكاره القذرة، قادته لفكرة تسجيل يومياتهم الخاصة ونشرها في العلن. يريد كسبًا سريعًا دون أن يغادر الأريكة. رفضت، قاومته.

أعداد الصفعات اليومية المتكررة على صدغها لا تعد، ونبوءة حملها أخافتها. كررت الاتصال بوالديها. رد والدها أحزنها، قال لها:

  • “مبروك، أتمنى ألا يرث منك مولودك الغباء.”

وأغلق الهاتف.

أبصرت النور هذا الصباح بعين نصف مغلقة من أثر الكدمات، لكنها رأت الصرصار جيدًا تحت طاولة المطبخ. هذه المرة لن يفلت. لاحقته بجنون، وانهالت عليه بالصندل، وسحقته. لم تعد تخاف الصراصير.

التعيس خارج المطبخ، ممدد على الأريكة وشخيره يحرك كرشه الضخم. انهالت عليه بالصندل أيضًا، تضربه. استيقظ فزعًا، أمسك ذراعها الرقيقة، وكسرها. ضربات قبضته اللعينة على بطنها مؤلمة. كانت تصرخ، وتضحك رغم دموعها المتناثرة، كسورها أنبأتها أن ضرباته هي ضربات الخلاص. فر من المنزل كوحش ضال، ترك الباب مفتوحًا بلا عتمة، وبلا دخان سجارته النتنة.

استفاقت بعد نوم عميق، مرغمة على صوت الممرضة، وهي تربت على كتفها بلطف، لتخبرها عن موعد جرعة المورفين التالية.

د. ندى مأمون إبراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *