وأخيرًا تحقق حلمي. قاعةٌ واسعةٌ ومجموعةٌ من الطالبات والطلبة. عيون شاخصة نحو أستاذ علم النفس وهو منهمك بتحليل نظرية فرويد، كرائد لمدرسة التحليل النفسي ومقارنتها بنظريات أدلر ويونغ وثورندايك. ورغم تفوقي في الدراسة كنت أواجه صعوبة في التعبير وكأن قوة تخرسني، فقد يئست حتى عن الدفاع عن نفسي وسمعتي. “الحرامي… الحرامي.” هذا هو اسمي الآن، وأنا في آخر مرحلتي الجامعية.
توقّف قرب الرحلة الثالثة ونظر إليّ بإعجاب ووقار لم آلفه، وقال: أنت صالح جابر!
أجل أنا صالح جابر، وسأبقى أفتخر بهذا الاسم.
سطورٌ بنهاية البطاقة المدرسية: “يميل إلى السرقة والجسارة…”، ولم أعرف قبلها أن التقرير السنوي بحقي بهذا اللؤم إلا بعد أن تجرأت وفتحت الظرف وأنا أنتقل إلى الثانوية. دخل المدير وفتّش جيوبنا وحقائبنا فوجد قلمًا ثمينًا في حقيبتي.
– من أين لك هذا القلم وأنت بهذا الحذاء الممزق والجواريب المختلفة اللون؟
لقد أقسمتُ له أن أحد الطلاب الكسالى دسّ القلم في محفظتي لكنه لم يصدق.
– لا عليك. أنا أصدقك.
تهمة السرقة لاحقتك منذ المتوسطة والثانوية، وها أنت في المرحلة الجامعية الأخيرة ولمجرّد تهمة سرقة قلم. اطمئن… أنا أصدقك لأنك الطالب الوحيد الذي لم يغشّ في الامتحان حول تأثير الوراثة والبيئة في الشخصية. كل الصف متهم بالغش وقد وقعوا في فخ رسمتُه لهم، لكنهم فشلوا في إثبات أمانتهم — إلا أنت.
تذكر أيها الطالب الصالح… سيأتي يوم يفتخر فيه الحرامي بسرقته أموال شعب كامل. سنلتقي إن كنتُ على قيد الحياة.
وكنت دائم التساؤل: هل يا ترى سأرى ذلك اليوم الذي يمتلك فيه السارق حريته في الحديث عن بطولاته؟
نبرات صوت خففت عني الصداع في عمق رأسي والألم أسفل رقبتي.
– قم يا رجل واذهب إلى السوق.
تفحصتُ القائمة باستغراب. يا زوجتي الحبيبة… هذه قائمة تسوّق لأول الشهر ونحن الآن في آخره ننتظر الراتب.
نظرت إليّ، وبين هزل وجد، وضعت راحة يدها على رأسي وبدت تمررها ببطء فشعرت باطمئنان كنت في حاجة إليه.
ابتسمت وقالت: “أسكت يا حرامي.”
مسكت يدها فشعرت أنني أسعد إنسان، لكن رجلًا بدا عليه الوقار هتف بزهو وبلا استحياء والملايين تنظر إليه.
صدمة أربكتني. حاولت الاسترخاء، لكن صدى هتافه الذي ذكّرني بأستاذي الذي فقدته منذ عقود ظل يفزعني:
– “كلنا حرامية… كلنا حرامية.”
– أجل… كلكم حرامية، لكننا نبقى شرفاء. نبقى أوفياء.
طويت ورقة التسوق ووعدت زوجتي بأكلة شهية في أيام قادمة بالتأكيد.
الكاتب علي البدر