انزلق حذاء ليلى المبلّل على صخرة ملساء، وكادت تسقط في الغور المظلم تحت قدميها. تشبثت بالجبل المتوحش الذي تحدّت صعوده. لم يكن الاختيار مجانياً؛ ففي الأعلى، في مكان ما بين السحب التي تمزّقها قمم الصخور، تكمن “زهرة النور”، النبتة الأسطورية التي قيل إن عصارتها تستعيد البصر. كانت تلك هي البداية المباشرة لرحلتها.
كان كل ما يهم هو القمة. نسيت ليلى تعب عضلاتها، وصرير الرياح العابثة الذي يشبه همسات الشياطين، والظلام الذي يلفّ عالمها منذ سنوات. كان هدفها وحشاً واحد الرأس، وصاعداً. كل خطوة كانت معركة، وكل نفس كان هدفاً. كان الجبل هو الخصم والطريق والمعبود.
في الأعلى، حيث يلامس الصخر السماء، وجدتها. ليست بحجم الأسطورة، ولا بلون الخيال. كانت برعماً صغيراً، أشبه بدمعة خضراء تتشبث بالحياة في صخر ميت. لمستها بأصابعها المرتعشة، وكانت ناعمة بشكل يفوق الوصف، دافئة كقطعة شمس محتجزة.
عصرت السائل في عينيها الظلماويّتين. لم يحدث انفجار من الألوان، ولم تَرَ وجه أمها المتعب كما حلمت. ولكن، من خلال الظلام الدامس، انفلق شعاع. لم يكن ضوء الشمس، ولا وهج النجوم. كان شيئاً آخر. كان وهجاً داخلياً نابعاً من يقينها. أدركت في تلك اللحظة الذروية أن النجاح لم يكن في استعادة البصر، بل في إثبات أن الظلام لا يمكنه كسر إرادةٍ تلمس النور.
نزلت ليلى، والعالم من حولها كما هو: معتم.
لكنها لم تعد كما كانت: مضيئة.
الكاتب ماجد القيسي