قصتي، إن كان لديكم فضول لقراءتها، أخشى أن ينفد صبركم. هل حقًا غادر الشعراء من متردم، أم عرفت الدار بعد توهم؟ يا دار بسمة بالجوار تمهلي، لنظرة عاشق تفتت كبده.
يمضي متثاقلًا، كأن الأرض تثقل خطاه عمدًا، وكأن الظل الذي يتبعه ليس سوى شبحه القديم يجرّه إلى الوراء. الأزقة خاوية، والنوافذ موصدة على حكايات انتهت، والريح تمر حاملة بقايا لحن منسي، يشبه صوته حين كان يغني لها.
في كل ليلة، يعود إلى نفس الطريق؛ شارع ضيق تفترش جنباته مصابيح مكسورة، كأنها عيون انطفأ فيها البصر والعزاء. لم يعد يؤبه بنظراتها الخرساء. صار جزءًا من هذا الركام، جسدًا يتجول كصوت بائد في مدينة هجرتها المعاني.
في صمته، يصرخ. وفي صراخه، يبتلعه الهواء، كأن المدينة فقدت القدرة على السمع، أو كأنها لم تعد تعترف بوجوده بعد أن اختفت ملامحها من بين يديه.
منذ رحيلها، سقطت الألوان من الأشياء، وتوقف الصباح عن النهوض، وتحول الليل إلى مقبرة من كذب وسواد يتسلل من ثقوب الذاكرة.
يتوقف عند الركن ذاته، حيث كان بيتهما، أو ما تبقى منه. يشعل سيجارة كما كان يفعل حين كانت تسخر من عادته تلك، لكن اليوم لا دخان يُستنشق، فقط رماد يتطاير من بين أنامله كما تطايرت روحها… بطلقة طائشة أنهت كل شيء.
“كم رغبت أن أنجب لك الولد…” قالتها قبل أن تختفي إلى الأبد، وتركت له هذا الحطام، وطفلًا لم يولد، وأغنية لم تُغنّ.
يمضي نحو النهر. ماؤه أسود، وجثث من قُتلوا في حربهم العبثية تطفو فوق سواده، ويعكس سواده قمرًا مرتجفًا، كأنما يرتجف من هول ما يراه.
هناك، على الضفة ذاتها، تذكر كيف أمسكت يده في المرة الأخيرة، وقالت:
“أخبرتُ صديقتي أن مطربي المفضل سيغني في زفافي.”
ضحك، وهمس وهو يعصر أصابعها:
“ولن تكتمل الفرحة أيضًا إلا بصديقي المطرب… سيغني لنا معًا.”
ضحكا. وعدا الأيام. وانتظرا… لكن اللغم انفجر، ولم يصل المطرب. كل شيء تحول إلى سؤال مؤجل. حطام. وذكريات لا تملك سوى أن تحترق كلما مرّ عطرها.
يعود أدراجه والفجر يسقط بثقله بين جفنيه. يحاول أن يرى الطريق، فلا يرى إلا وجهها. وجهها كما كان في المرة الأولى، حين وعدها أن يسهر العمر ليحمي ابتسامتها.
في البيت الكبير الذي تقوّس ظهره تحت ثقل الموت، ينبش ما تبقى. من تحت السرير، حيث كان الحلم ينام، يسحب حقيبة “الشيلة”. يفتحها، يشمّ عطر الصندل، وتنهض ذكرى العرس من رماد الخراب.
ويضجّ صوتها في جوفه الكئيب:
“هذه الأحذية لابد من استبدالها… مقاسها لا يناسبني ولا يتلاءم مع لون الثياب.”
“تعلمين أنني لم أختر أي شيء في هذه الشيلة. زوجة أخي هي من قامت بشراء كل الشيلة.”
“لا عليك، هذا أمر لا يقلق. أعرف زبونًا صاحب بوتيك سيقبل باستبدالها. المهم الآن…”
“تقاطعها: ماذا تريدين بعد يا بسمة؟ كل شيء سوف نرتبه.”
“فناني المفضل.”
“لا تقلقي، سوف نقوم بترتيب الحفلة بفنانك المفضل… حفلة ستكون ترند في كل الوسائط.”
يجلس على عتبة البيت، بين الركام، يسند ظهره إلى جدار متصدّع، وينظر نحو السماء. ثم يصيح، ودموعه تجري في خده، بصوت مخنوق:
“الآن… الآن لمن سيغنّي المغنّي يا بسمة؟”
للكاتبة مبارك إسماعيل ودحمد