النص:
مأتم
قصتي ليست جميلة هذه المرة، هي فعلاً قبيحة ككل السابقات.
القصص الجميلة أحاول صياغتها فلا تأتيني، ربما كنت محسودة، هكذا قال لي صديق ذات مرة، وربما كنت غير موهوبة، هكذا قلت لنفسي مرارًا، وربما تستعصي عليّ اللغة، هكذا قالت لي كل القصص التي لم أكتبها…
غير أنني مصرّة، هذا المساء ستقرؤون لي، وستصفقون لي أو تبصقون عليّ، لكم الخيار، ولي طبعًا حق رد الثناء أو البصقة.
لكنني سأجبركم، واحدًا واحدًا، وواحدةً واحدة، أن تقفوا ولو لنصف عشر دقيقة، أو أكثر قليلاً أو أقل قليلاً…
قصتي هذا المساء هي في الواقع رسالة، أكتبها لزوجي الذي عدت للتوّ من مراسم دفنه.
في العادة لا تذهب النساء إلى المقبرة، ولكنني، بما أنني تمردت على النواميس، فقد قررت أن أذهب، وأن أصلي دون وضوء.
وقفت مع الواقفين، دسست جسمي في جلباب سميك، وتحت الجلباب بنطلون من الجينز الأزرق.
على رأسي وضعت خمارًا أسود، هكذا أمرتني عجوز القرية حالما وصل نبأ حتفه.
رشقتني النساء بنظرات اختلط فيها الإعجاب بالإدانة.
استنكر الرجال وقفتي في آخر الطابور، طلبوا مني العودة إلى بيتي والبكاء في صمت إكرامًا لروح زوجي.
لم أذعن لأوامرهم، ولا حتى للوقوف في الصف الأخير بعد آخر رجل معتوه جاء يستلم نقود الصدقة، وآخر تفوح من ثيابه رائحة القيء بعد جلسة خمر ينظمونها كثيرًا في عمق واحة النخيل غير البعيدة.
لماذا تفتحون أفواهكم هكذا وتحدقون بي؟
أليس زوجي وأنا أحقّ منهم جميعًا بمصاحبته إلى مثواه الأخير؟
قضى في حادثة سيارة، كان يحب الضغط على الزناد، وعندما يكون وراء المقود لا ينثني عن مداعبة جنون الموت، يراوغه ويبتسم في كل مرة لأنه انتصر وعاد سالمًا.
هذه المرة داعبته جنّية العجلات والفرامل، تمردت عليه وهزِئت من غيّه وغروره، لم تمهله حتى لحظة يودعني فيها!
لم يلتفت رجل إليّ مصافحًا ولا معزّيًا، فقط نظراتهم كانت ترميني بالجنون، يستغفرون له من ذنبي، يتأسفون عليه ويسخطون عليّ.
يتهامسون في حقد، يتمتمون أنه الشقيّ حُرم من وقوف الملائكة عند رأسه بسببي.
قال بعضهم: إنه لفي خسران، فقد كان يسمح لي بالخروج سافرة، يقرأ الشعر عليّ في أعياد الحب، ويقبلني كلما التقينا حتى بعد فراق لحظة.
رفعت رأسي بينهم، باغتهم صوتي واثقًا متمكنًا، وصنعت صنيعًا غريبًا: لم أقرأ على روحه الفاتحة، ولكنني قرأت مرثية طويلة.
كنت صبية في مقتبل الشباب عندما التقينا صدفة على الطريق المحفوف بالصفصاف.
لم أخفض بصري، ولا طرحت خماري على جيبي، ولم يغض البصر، ولا استغفر لرؤيتي.
تقدم مني بخطى واثقة، وقال:
“أريدكِ حبيبة، زوجة، وأمًّا لأولادنا، هل تقبلين؟”
لم أتكلم…
كان قميصه ذو الخطوط المستقيمة قد استرعى انتباهي، لونه واحد مع اختلاف طفيف بين الخط والآخر، مكوي بعناية، وبنطلونه مرتب عليه كأنه عارض أزياء من شمع.
كان يناديني بـ “قطّتي الصغيرة”، وكنت أحب التمسح به كما تفعل صغار القطط.
يهدهد وجعي إن تألمت، ويهتف باسمي كلما نجحت، ويبتسم راضيًا في جلّ حالاته.
ما زلت ألقي مرثيتي، عندما نظروا إلى بعضهم بعضًا، وبسرعة كما يوارون خروفًا، واروه التراب، وهرولوا بعيدًا عني.
عند رأسه جلست، أزحت عني الغطاء الحزين، فرددت شعري وألقيت بالجلباب جانبًا.
لم يطاوعني دمع ولا آهة، فقط عاتبته لرحيله المفاجئ، وسألته كيف لي أن أستمر بدونه…
أعرف، إنكم جميعكم تشمئزون من سفوري في المقبرة…
لا، لا!
الموتى لا يتحرشون بي، ولا يخشون الفتنة.
#فتحية_دبش
من مجموعة #صمت_النواقيس، القاهرة، الطبعة الأولى 2018
القراءة النقدية
“الموتى لا يتحرشون بي ولا يخشون الفتنة.”
وهل هناك فتنة أكبر مما قدمته هذه الأرملة؟ وهل بعد هذا الحب حب؟ وهل بعد هذا الوفاء وفاء؟
هي الأنثى المعطاءة بلا انتظار، الرحيمة بلا استغفار، المستبدلة الجنة بالنار… مات، لكنها حرصت أن تكون له كما أحب وعشق، فأحيته من موات، وحركته من ثبات.
كأن به يناجيها من تحت التراب:
“زيديني عشقًا زيديني، يا أحلى ما عشقت روحي، يا حبًا أنشأ تكويني.”
نحن أمام نصّ صيغ بتمازج متقن بين وعي القاصة ولاوعيها، في توازن دقيق، لا تميل فيه الكفة إلى أحد الجانبين.
تبدأ القاصة سرديتها بتقنية الصدمة في جملة افتتاحية جاذبة ومستفزة:
“غير أنني مصرّة، هذا المساء ستقرؤون لي…”
لتكسر الحاجز بين الراوي والقارئ، وتستفزه ليتابع، ثم تسلبه حريته تدريجيًا بذكاء سردي محسوب.
اتبعت الكاتبة تقنية تيار الوعي السردي، بأسلوب التداعي الحرّ الذي نلمسه في الانتقالات الزمنية الدقيقة بين الماضي والحاضر والماضي القريب جدًا، في مشهدية منسوجة ببراعة.
كما اعتمدت على ديناميكية الحركة والسكون في البنية السردية، فتتداخل الفقرات بين مشاهد مادية وأخرى ثابتة تأملية، بما يعكس إيقاعًا أدبيًا متذبذبًا يخدم الغاية السردية.
ثنائيات النص:
-
جلباب سميك / بنطال جينز أزرق
-
عجوز القرية / موت الزوج
-
نساء (إعجاب وإدانة) / رجال (استنكار وأوامر)
-
الطريق المحفوف بالصفصاف / المقابر
وفي الختام، تعود الكاتبة بخاتمة تدويرية مدهشة لتقول:
“الموتى لا يتحرشون بي ولا يخشون الفتنة.”
جملة حمالة أوجه، تفضح المجتمع الذكوري وتنتصر للأنوثة الحرة.
الغاية السردية:
-
صرخة تمرد في وجه مجتمع يقهر المرأة حتى في لحظات وجعها.
-
صورة كاريكاتورية لنماذج المشيعين والمشيعات.
ملاحظات لغوية طفيفة:
-
الجملة: “قصتي ليست جميلة هذه المرة! هي فعلاً قبيحة ككل السابقات.”
يُفضل أن تُعاد صياغتها بـ (بل):
“قصتي ليست جميلة هذه المرة، بل هي فعلاً قبيحة ككل السابقات.”
-
الفقرة: “لكنني سأجبركم واحدًا واحدًا…” مكررة في المعنى، ويمكن حذفها دون الإخلال بالسياق.
الأديب محمد البنا