ما لا يُرى خلف الأعطال قصة قصيرة للكاتب ماجد القيسي

توقّف محرك سيارتي في زقاق ضيّق، فبدا المشهد مألوفًا أكثر مما ينبغي. منذ أشهر، وكل شيء في حياتي يتعطّل بالطريقة نفسها: فجأة، ومن دون إنذار. جلستُ خلف المقود لحظة أطول مما يلزم، أحدّق في الفراغ، وقد تركت الخسارة أثرها لا في الأشياء فقط، بل في طريقة النظر إليها.

دفعتُ السيارة نحو ورشة صغيرة، بابها نصف مفتوح، يعلوه ضوء شاحب يؤدي وظيفته بلا حماس. خرج رجل بملابس عمل باهتة، لم يسألني عمّا حدث، ولم يرفع عينيه عن المحرك. انحنى مباشرة وبدأ يعمل بصمت، كأن الوقت أضيق من المجاملات.

كنتُ بحاجة إلى الكلام أكثر من حاجتي إلى الإصلاح. تحدثتُ عن عملي الذي انتهى، عن المكتب الذي أُغلق، وعن علاقات انقطعت حين أصبح الصمت أسهل من المواساة. كنتُ أتكلم كما لو أنني أستعيد حقي في الشكوى، أو أبرّر لنفسي ما وصلتُ إليه.

لم يعلّق. كان صوت الأدوات وحده يملأ الفراغ. عندها لاحظتُ ارتجاف يده اليمنى، وتوقفه الخاطف كل مرة، كمن يتجاوز ألمًا لا يريد الاعتراف به. أحيانًا كان يغمض عينيه لثوانٍ، ثم يعود إلى عمله بلا تردّد.

بعد صمتٍ طويل، قال بصوت منخفض وهو يمسح يده بقطعة قماش:
“أمرّ كل صباح بالمستشفى قبل أن آتي إلى هنا… ابنتي هناك منذ شهر.”

لم يشرح، ولم ينتظر ردًا. عاد إلى المحرك وترك الجملة معلّقة.

لم تختفِ خسائري، ولم يصبح واقعي أقل قسوة، لكن شيئًا ما تغيّر. بدا لي أن ما كنتُ أراه انهيارًا كاملًا قد لا يكون سوى فصل واحد من حكاية أطول، وأن هناك من يعيش على حافة انتظار بلا ضمانات، ومع ذلك يواصل يومه بصمت.

أنهى عمله، فاشتغل المحرك بسلاسة. شكرته، وغادرت الورشة ببطء.

وأنا أقود في شوارع المدينة، لم تعد البيوت المغلقة محايدة. خلف كل نافذة قصة غير مكتملة، وداخل كل وجه عابر احتمال لوجع مؤجل. أدركتُ أن الناس لا يخفون أحزانهم لأنهم أقوياء، بل لأن الحياة لا تمنحهم وقتًا كافيًا للاعتراف بها.

أوقفتُ السيارة أمام منزلي، ونظرتُ إلى يديّ. لم تكونا متعبتين ولا ملوّثتين بالزيت، لكنهما حملتا خفة مربكة. فهمتُ أخيرًا أن الأعطال ليست دائمًا في الأشياء، وأن ما لا يُرى هو غالبًا الأثقل، وأن أكثر ما يعزلنا عن بعضنا ليس الألم، بل اعتقاد كل واحد منا أنه وحده من يتألم.

 

الكاتب ماجد القيسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *