ما وراء السطور.. إلهاء مقنن قراءة تأويلية للأديب محمد البنا لنص: منظار مكبر وعدسة مغطاة للأديبة المصرية إيناس سيد جعيتم

منظارٌ مكبّر.. وعدسةٌ مغطّاة

يختلط صوت المروحية بطقطقات جذوع الأشجار وأصوات أخرى تُصيب من يسمعها بالرهبة. تطوف حول الحريق الهائل حاملة قائدها، ومراسلًا من إحدى المحطات التلفزيونية الوطنية، وأحد المصورين المحترفين. يلتف قائدها بمهارة حول الأدخنة الرمادية الكثيفة، مما يسمح لحامل الكاميرا أن يُركّز عدسته على ألسنة اللهب الجائعة التي تلتهم كل ما تطاله.

المراسل

بحماسة وغضب يقول:

“حريقٌ هائلٌ يلتهم مساحات شاسعة من الغابات، تنتشر ألسنة اللهب بسرعة شديدة، مسببةً، كما يظهر، سحابةً كثيفة من الدخان الرمادي يتوسطها دخان أسود كثيف. يبدو مركز الحريق عند مصنع البتروكيماويات الذي يملكه رجل الأعمال والسياسي الأشهر، مما يدفعنا للتساؤل عن شروط الأمن والسلامة بالمصنع. انتظرونا في تقارير لاحقة للوقوف على أسباب الحريق وآخر المستجدات.”

يتبع التقرير عدة مراحل تتصاعد فيها الأحداث:

  1. المرحلة الأولى: تقرير مباشر عن الحريق وموقعه، مع تساؤلات ضمنية عن غياب التدخل الفعّال.

  2. المرحلة الثانية: يكرر المراسل التقرير مع إبراز التساؤلات عن تأخر قوات الدفاع المدني، وإلقاء الضوء على المسؤولية.

  3. المرحلة الثالثة: يُغلف التقرير الحادثة بكونها كارثة طبيعية نتيجة الاحتباس الحراري، مع توجيه أصابع الاتهام إلى الحلقة الأضعف في المسؤولية: رجال الطبقة الشعبية في ظروف صعبة، بينما يُغفل المسؤول الكبير.


القراءة التأويلية

المنظار المكبر

إضافات متتابعة أُدخلت على التقرير الأصلي للمراسل:

  • إشارة واضحة لمركز الحريق (مصنع البتروكيماويات ومالكه).

  • تساؤلات عن غياب التدخل الأمني:

“لماذا تأخرت قوات الدفاع المدني عن القيام بواجبها؟ ألا يتطلّب حريق هائل كهذا تدخل الأمن الوطني؟”

  • المرحلة الأخيرة تعزو السبب للاحتباس الحراري، وتحول الحدث إلى كارثة طبيعية.

العدسة المغطاة

  • التعمية عن المسبب الأول للحريق (المسؤول الكبير).

  • إلصاق التهمة بمن لا حول لهم ولا قوة (الطبقة الفقيرة).

  • الإلهاء الإعلامي بصور مواكب الرئيس أو الأحداث الرسمية.

اللغة والأسلوب

  • اللغة بسيطة، متناسقة مع المشهد الابتدائي، وتحاكي الأسلوب الصحفي (جمل إخبارية / تقريرية).

  • الأسلوب السردي: سرد متنامٍ رأسيًا، بهدوء، دون تعقيد لغوي.

  • البنية السردية: البناء يشبه الهندسة: قاعدة (الحريق)، أعمدة (التقارير الصحفية)، حوائط (الرسائل الضمنية).

  • التقنية السردية: فقرات إخبارية موجزة متتالية، مع استخدام الشكل البرقي للصحافة ووكالات الأنباء.

ملاحظة هامة

قد يظن البعض أن النص يحتوي على الكثير من الجمل التقريرية، لكن هناك فرق جوهري بين:

  • جمل إخبارية: تعطي معلومات عامة، مثل:

“غادر حسن منزله غاضبًا.”

  • جمل تقريرية: تحدد زمنًا أو موقفًا ملزمًا للقارئ، مثل:

“غادر حسن منزله غاضبًا صباح أمس.”

أمثلة من النص:

  • إخباري: “حريق هائل يلتهم مساحات شاسعة من الغابات.”

  • تقريري: “حريق هائل يلتهم مساحات شاسعة من الغابات، في واحدة من أبشع الكوارث الطبيعية التي لم نشهد مثلها منذ أكثر من خمسين عامًا.”

  • تقريري آخر: “ألا يتطلّب حريق هائل كهذا تدخل الأمن الوطني؟”

الأديب محمد البنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *