تقديم أدب الرحلات من خلال قصص، أمر جدير بالاهتمام والتوقف عنده، خاصة إذا علمنا أننا في المنطقة العربية نفتقد إلى هذا النوع من الأدب. فالعنوان بحد ذاته مثير للمتلقي، ويجعله يتساءل: “كيف تكتب الأقدام؟ وكيف استطاع القاص تبديل الأيدي بالأقدام؟ ألم يكن ممكناً أن يكون العنوان ‘الكتابة بالأقلام’؟”.

القاص يجيب على هذه التساؤلات من خلال المقدمة التي يقول فيها:
“فكل طريق تسلكه الأقدام، تترك على ترابه أثراً يشبه سطراً في كتاب الحياة، يُكتب دون حبر، وتقرأه الروح قبل العين. كنت أظن أن الكتابة تتم بالقلم، حتى أدركت أن الأقدام أيضاً تكتب، حين تمشي في الميدان والحقول والطرقات البعيدة، محملة بذاكرة الإنسان” (ص9).
يمكننا من خلال هذه المقدمة استيعاب عنوان المجموعة، وأيضاً معرفة موضوعها – أدب الرحلات – وأسباب وجودها كجنس أدبي قصصي.
الكاتب والقاص
بعد قراءة المجموعة سنجد أننا أمام جغرافيا واسعة، فهناك أحداث تجري في: جنين، نابلس، روابي، عمان، صويلح، الزرقاء، الإمارات العربية، الدول الآسيوية. وأحداثاً تجري في المدن والمكاتب، وأخرى تجري في القرى والأرياف وما فيها من سهول وجبال وتلال. ونجد شخصيات متنوعة الجنسيات، تنتمي إلى العديد من القوميات: عرب، هنود، أوروبيون. ونجد أسماء تلك الشخصيات.
هذا التنوع يقودنا إلى علاقة القاص بالكاتب، الذي نجده حاضرا بوضوح في قصة: “في حضرة القراء”، حيث يتحدث عن روايته “فتى الغور”:
“أنهى روايته ‘فتى الغور’ وسلمها للمطابع، احتفل الأصدقاء، وتحدث الناقد” (ص30).
كما نجده حاضرا في قصة “لعبة القطيع”، حيث يتحدث عن مهنته كمحامٍ:
“كان كمال محامياً ومستشاراً في دبي” (ص55).
هذا على صعيد حضوره المباشر، لكننا أيضاً نجده حاضرا من خلال شخصيات المجموعة، فهناك العديد من القصص متعلقة بالمحامين والقضايا المالية وحتى الجنائية. بمعنى أن القاص لم يهمل دور الكاتب في المجموعة القصصية وجعله فاعلاً ومؤثراً فيها.
نظرة عامة على القصص
إذا ما توقفنا عند موضوع المجموعة، سنجدها تناولت أكثر من ناحية / موضوع / فكرة. فهناك قصص وطنية متعلقة بالمقاومة، كما هو الحال في “محطة جنين”، حيث ربط القاص بين ما يجري في جنين وغزة، وتنبأ بطوفان الأقصى:
“شعر جهاد أن الأغنية تحولت إلى نبوءة، وأن جنين لم تكن محطة عابرة بل إنذاراً مبكراً لما سيأتي، إنذاراً إلى غزة المحاصرة منذ عقدين، بأن رياح الموت نفسها تتأهب هناك، ولعل غزة سترد قريباً… بصوت أعلى من أغنية، وأكبر من صاروخ، وتحرك المياه الراكدة في فلسطين ويكون صداه في العالم” (ص15).
اللافت في هذا المقطع ربط الجغرافيا الفلسطينية وتوحيدها، فالضفة لا يمكن فصلها عن القطاع، فهما يعيشان الاحتلال وبطشه، وكان لا بد من مواجهة هذا البطش من خلال طوفان الأقصى.
كما يقدم مأساة ترحال الفلسطيني في قصة “المهاجر الجديد” التي تتحدث عن الهجرة القسرية:
“لكني لا أريد لابني أن يكون نازحاً أو مهاجراً، أريد أن أفعل كما فعل جدي وشقيقه… أن نهاجر طوعاً داخل الوطن لا خوفاً من الموت والقصف” (ص38).
فهنا يبين القاص إحدى مآسي الفلسطيني الذي تجعله متنقلاً / مرتحلاً غير مستقر جغرافيا / مكانياً ولا نفسياً أو اجتماعياً.
لم يقتصر الأمر على المقاومة، بل تعداه إلى تحليل طبيعة الفلسطيني الضعيف الذي يواجه – رغم ضعفه – أقوى دولة وجيش في المنطقة:
“أنتم الفلسطينيون تملكون طاقة كامنة… تنبع من ضعفكم، وهذا ما تخشاه إسرائيل ومن يقف وراءها… طاقة تنتظر الانبعاث، كما ينتظر طائر الفينيق لحظة نهوضه من رماد” (ص19).
هذا ما جاء في قصة “الطاقة الكامنة” التي تتناول الصراع بمنظور فلسفي (معكوس)، فالضعف قوة، والقوة ضعف!! كل هذا يجعل المتلقي يتوقف متأملاً، متسائلاً: كيف استطاع الفلسطيني الصمود والبقاء والثبات والاستمرار في الحياة، رغم كل ما تعرض ويتعرض له!؟
يقدم القاص مجموعة أسئلة تستحق التوقف عندها لما تحمله من أفكار متعلقة بالوجود:
“هل نصنع مصائرنا بأيدينا، أم نظل أسرى لما زرعه الآباء فينا؟” (ص23).
“هل نحن من نصنع ذواتنا، أم أن ذواتنا هي التي تصنعنا وتعيد تشكيلنا، حتى نظل غرباء عن أنفسنا؟” (ص86).
وأخرى متعلقة بالكتابة ودورها كمخفف للضغط الذي يمر به الكاتب:
“هل أكتب لأتنفس؟ أم أختنق كما انتهيت؟” (ص30).
وهناك سؤال متعلق بعلاقة الناس بالأرض:
“هل يسمن الناس صرخة الأرض قبل أن تلقيهم عنها وتتخلى عنهم… أن يواصلون إعمارها بأيديهم حتى يفوت الأوان؟” (ص70).
هناك حكمة أدبية تقول: “أن الأدب الجيد هو الذي يطرح الأسئلة”. من هنا، فإن طريقة تقديم المجموعة، ووجود مثل هذه الأسئلة أمر يستحق التوقف عنده، والبحث فيه. فهناك العديد من المفاهيم بحاجة إلى التوقف عندها لمعرفة طبيعة علاقتنا بها، وهل هي مفيدة أم مضرة، صحيحة أم خاطئة.
الرمزية
رغم أن القصص واقعية، وهذا ما أكده القاص في مقدمة المجموعة، إلا أن هناك رمزية جاءت في قصة “الذاكرة الزرقاء” التي تتحدث عن إلقاء أوراق كتابها بطل القصة في سيل الزرقاء:
“وما أن رميتها في السيل، حتى انهمر المطر وبكت السماء على ما في هذه الكتب والدفاتر من معارف وعلوم، وحين انطلق السيل حمل الدفاتر كما يحمل أسرار القرية القديمة.”
نلاحظ أنسنة الكتب من خلال تقديمها ككائن حي، وما جمالية الصورة إلا تأكيداً للكائن الحي الذي يجرفه السيل ويغيبه من الوجود.
ونجد رمزية التجار في قصة “لعبة القطيع”:
“قال إن قطيعاً من الذئاب كان يعيش في القطب الشمالي، حيث الليل طويل والجليد لا يذوب، كانوا سبعة ذئاب يصطادون معاً ويتقاسمون الفريسة، لكن حين يشتد الشتاء ويغيب الصيد، يبدأ الجوع القاتل، يجلس القطيع في حلقة، يترقب كل واحد الآخر، يصبر ويصمد، وحين ينهار أضعفهم ويغفو من التعب، تنقض عليه البقية، فتلتهمه، يشبعون قليلاً، ثم يغادرون الدائرة، حتى يتساقط الذئاب واحداً تلو الآخر، فلا يبقى في النهاية إلا اثنان أو ثلاثة ينجون” (ص57).
هذا حال التجار في الأزمات، فالتاجر الضعيف يلتهمه التجار الكبار، حتى لا يبقى إلا التاجر القوي الذي يبتلع الآخرين. وهذا يقودنا إلى تكديس الثروة بيد مجموعة قليلة تهيمن على ثروات البلاد والعباد، وتتحكم في مصائرهم وحياتهم.
ونجد رمزية الإيمان المتعلقة بتطهير الروح وليس بتطهير الجسد في قصة “التطهير”:
“غسل وجهه وجسده، ترك المطر يطهره بروحه لا بجسده، ثم جمع الماء في كفيه وشرب، وهو يتلو: ‘وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا’. أحس أنه أخيراً نال ‘التطهير الحق’، تطهير النفس من الذنوب، لا تطهير جسد خلقه الله في أحسن تقويم” (ص79).
فالماء تحول من كونه مطهراً للجسد، إلى مطهر للروح. فجمالية هذا التقديم تكمن في (انقلاب) خاصة / مفهوم الماء الذي يطهر ما هو متطهر (الروح)، وتجاوزه للجسد الذي يحتاج إلى التنظيف والتطهير.
الحضور الديني
اللافت في المجموعة زخم الحضور الديني فيها، فغالبية القصص نجدها تتناول الإيمان، إن كان من خلال الأحداث، أم من خلال وجود آيات من القرآن الكريم. وهذا يرسخ فكرة أهمية الثقافة الدينية ودورها في حياة الفرد والمجتمع، فبها يستطيع مواجهة الصعاب وتجاوز المعيقات، والتقدم إلى الأمام.
المجموعة من منشورات الآن ناشرون وموزعون، عمان، الأردن، الطبعة الأولى 2025.
الكاتب والناقد رائد الحواري