مع رواية منارة الموت.. من سينتصر؟ الحب أم الرصاصة قراءة للكاتب الإعلامي زياد جيوسي

“منارة الموت” رواية من ضمن عدة روايات أصدرتها الكاتبة والروائية هناء عبيد من مغتربها في الولايات المتحدة. كنت قد قرأت لها قبل هذه روايتين جميلتين، غير أن هذه الرواية جذبتني بقوة من حيث الفكرة والسرد الروائي، على الرغم من جمال الفكرة في الروايات الأخرى.
صدرت الرواية عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمّان عام 2022، بغلاف جميل من تصميم الدار، يُصوّر شخصًا يجلس على الشاطئ يتأمل البحر والنوارس المحلقة، وكأنه يحاورها. أما الغلاف الخلفي فكان مقتطفًا من الرواية، وتقع الرواية في 234 صفحة من القطع المتوسط، وتبدأ بإهداء عاطفي جميل شمل الوالدين “رحمهما الله”، والأهل، والأصدقاء، و”آدم بطل الرواية، وكل صانع بسمة”.
تتألف الرواية من عشرة فصول، وكل فصل منها ينقسم إلى عدة أجزاء معنونة بما يتناسب مع محتوى الفصل.

سطوة رأس المال… وطفلٌ يواجه العالم بإعاقة

منذ الصفحات الأولى، يظهر بوضوح أن الرواية تدور حول سطوة رأس المال والمتنفذين، كما تتناول موضوعات مثل:
الفقر، البؤس، الحب، الخيانة، الأمل، والتنمر.
يتعرض “آدم”، الطفل الراوي، للتنمر من أطفال الحارة والمدرسة بسبب إعاقته الجسدية الناتجة عن تفاوت في طول قدميه، فيُلقب بـ “أبو رجل مسلوخة”، وهو لقب مستمد من حكاية تراثية تحمل الاسم ذاته.

ولا يقتصر التنمر على الألفاظ، بل يمتد إلى الإيذاء الجسدي، ويتعدى ذلك ليطال والده بائع الذرة، ووالدته التي تنشر الغسيل من الأسمال البالية.
كل هذا يترك أثرًا نفسيًا عميقًا في آدم، فيقول:

“اليوم الذي سأنتقم فيه من كل من مرغ أنفي في الوحل، سيأتي، سيأتي حتمًا.”

ويتألم بشدة من خيانة حبيبته “هانا” التي تركته بعد دخولها الجامعة، بينما حرم هو منها بسبب الفقر، فيتساءل بحزن:

“ماذا تعني لي الحياة دون هانا، صديقة طفولتي وحبيبة مراهقتي، ورفيقة عمري؟”

شركة الأخوين كاربنتر… خيرٌ مزيّف وفساد متوحش

عمل آدم بعد الثانوية في شركة “الأخوين كاربنتر” المتستّرة بالأعمال الخيرية.
ولا أعلم إن كان من المصادفة أن هناك بالفعل شركة حقيقية تحمل الاسم ذاته تأسست في ريدنغ، بنسلفانيا عام 1889.

تتناول الرواية مشكلات اجتماعية عديدة، إلى جانب الفقر والتنمر، ومنها:
التفاوت الطبقي، التمييز العنصري، والصراع المجتمعي.

يتجلّى ذلك في شخصية “أبو نوى” الذي يحتقر الفقراء. فعندما تضع زوجته الطعام لآدم وأمه على طاولة المطبخ، يُصرّ هو على أن يجلسا على الأرض قائلاً:

“الأرض موقع هؤلاء، لا يجب أن يتطاولوا على أسيادهم وإلا تمردوا.”

كما تكشف الرواية أن الفقراء في مثل هذه المجتمعات “منذورون للموت”, وتروي مشاهد مهينة لتوزيع المساعدات التي ترميها شاحنات الشركة من الأعلى، ليتدافع الناس نحوها في مشهد يريق ماء الوجه، بينما يستأثر المتنفذون بالنصيب الأكبر.

مدرسة فقيرة… وبلدة تتآكل من الداخل

تصف الكاتبة مدرسة آدم:
جدران متهالكة، زجاج محطّم، اكتظاظ، ومدفأة صغيرة يحتكرها المدرس وحده، واصفة المدرسة بأنها:

“لا توحي بأنها دار علم.”

كما تشير إلى استغلال المشرفين في الفنادق لإكراميات العاملين.

وتتطرّق إلى الأعراف التي تمنع الفتيات من إكمال التعليم، كما في حال والدة آدم، فالتعليم بنظر عائلتها “جُرم”، وإلى العنف الأسري الذي يصفه آدم قائلاً:

“مسكين، تربى في بيت لا يعرف من الرجولة سوى الخشونة في معاملة السيدات.”

بين فقرٍ مدقع وثروات فاحشة

رغم بؤس البلدة، إلا أنها تحتوي قصورًا فارهة وفندقًا فخمًا يسكنه أثرياء سلبوا أراضي الفقراء.
وتروي على لسان أبو الأحزان:

“كل نزيه في هذه القرية سيعيش خاسرًا مدى الحياة.”

كما تتساءل الرواية لماذا يجب على الفقراء الانحناء أمام صورة الرئيس في البيت، وأمام صورة رئيس الشركة في العمل، ليقول آدم:

“من يكون هذا الرجل؟ أهو مبعوث الله من السماء أم مخلوق من معدن ذهب؟”

العالم الرقمي… زيفٌ وواجهة خادعة

تطرح الرواية نقدًا لاذعًا لمواقع التواصل:

“يبدو أننا جميعًا نعشق الكذب، فنريد أن نظهر بشكل أجمل من حقيقتنا.”

وكذلك لشركات الأدوية الفاسدة:

“إنهم فرع من فروع مافيا الأدوية.”

عالم الشركات: قتلٌ ممنهج وصراع من أجل الحقيقة

تُظهر الرواية أن الشركة تستغل العمال وتمنع علاجهم، وتحذف من حياتهم من يتجرأ على كشف حقيقتها.
ريان يُقتل بعد محاولته فضح الفساد، ويستقيل آدم خوفًا من المصير نفسه.

لكن الأمل يأتي عبر شخصية “جورج”, الذي يحتضن آدم ويدعمه، ويساعده على الحصول على منحة لدراسة الطب.

ورغم ذلك، يعاني آدم في الجامعة من السخرية لكونه فقيرًا ومعاقًا:

“نظرات الطلاب تزدريني أينما كنت.”

المكان والزمان… واقعية أم إسقاط؟

الرواية لا تصرّح باسم المكان، لكن المؤشرات (الدولار، الشركة، نمط الحياة) توحي بأن الأحداث في أمريكا.
لكن الإسقاطات السياسية والاجتماعية تجعل القارئ يشعر بأنه أمام عالم عربي يعاني القهر نفسه.

شخصيات الرواية… المهمشون أبطالًا

  • آدم: الراوي، الفقير المعاق، صوت المهمشين.

  • جورج: صحفي سابق، يقود مقاومة ضد فساد الشركة، ويُقتل لاحقًا.

  • هانا: حب الطفولة الذي يغادره ثم يعود متأخرًا.

  • شمس: فتاة بكماء تعمل لكشف الفساد وتُقتل.

  • أبو الأحزان، والد آدم، والدته، نوى… وغيرهم من المهمشين وأصحاب الإعاقات.

تقول الرواية إن الجميع يمتلكون قدرات مختلفة، وإن المجتمع هو من يقمعها.

عنوان الرواية… بين المنارة والموت

التناقض بين “المنارة” و “الموت” هو أساس البناء الدرامي.
لغة تجمع بين البساطة والعمق، وسرد خارجي وداخلي متشابك يمنح الرواية نفسًا إنسانيًا عميقًا.

خلاصة القراءة

نحن أمام رواية اجتماعية وسياسية بامتياز،
تكشف واقعا مظلمًا لمهمشين يطحنهم الفقر، ويواجهون شركات متوحشة وأنظمة فاسدة.

لكنها أيضًا رواية أمل، تُشبه مشعلًا صغيرًا في ليلٍ طويل.
آدم يكمل دراسته، يصبح طبيبًا، يفتح عيادته للفقراء، وتتابع أخته دراستها وتفتح محلًا للورود.

وفي النهاية… من ينتصر؟

الرصاصة قتلت جورج،
لكن آدم يقول:

“البسمة سلاح البؤساء.”

وترفع الرواية صوتها الأخير:

“ستخترق السماء أغنية تصدح عاليًا،
ستنتصر البسمة أيها الطغاة.”

الكاتب الإعلامي زياد جيوسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *