ترجمة: ممدوح عدوان
منارات – 1985
اختيار وتلخيص: مهند النابلسي / 2025
• تلك التجارب الكثيرة التي مرّ بها سِدْهارتا، لم تكن تُذمّ الواحدة منها عند العبور إلى الأخرى. في أيام حياته الأخيرة بدا سِدْهارتا راضيًا عن كلّ ما مرّ به وممتنًّا له.
•
«أو ليس أفضل البشر الذين يخدمون العالم الجديد؟ وهِسّه إن هو إلا مثال عليهم — هم أولئك الذين يعرفون العالم القديم ويحبّونه، ويريدون إدخاله في العالم الجديد».
— توماس مان
• لا، إنّه كامل في كل لحظة. وكل خطيئة تحمل في طيّاتها نعمتها. والأطفال الصغار، كلّهم عجائز قادرون. وكل رضيع يحمل الموت في طيّاته. وكل الموتى — حياة خالدة. ليس من الممكن لشخص أن يرى كم ابتعد الآخر عن الطريق.
• إذن فبوذا موجود في اللص وفي لاعب النرد، واللص موجود في البراهمي. خلال التأمل العميق يمكن أن يتبعثر الزمن، أن ترى في وقت واحد الماضي والحاضر والمستقبل، وعندها سيكون كل شيء خيرًا، وكل شيء كاملًا، وكل شيء براهميًّا.
• ولذا يبدو أن كل ما هو موجود جيّد، وأن الحياة مثلها مثل الموت، والخطيئة مثل التقوى، والحكمة كالحماقة. فكل شيء ضروري، وكل شيء لا يحتاج إلا إلى موافقتي، قبولي، تفهّمي المُحب. عندها يكون كل شيء على ما يرام بالنسبة لي، وما من شيء يمكن أن يؤذيني.
لقد تعلّمت من جسدي وروحي أنه من الضروري بالنسبة لي أن أقترف الخطيئة، وأنني كنت محتاجًا إلى الشهوة، وأنه كان عليّ أن أكافح من أجل الملكية، وأن أتعرّض للسأم وأعرف اليأس في الأعماق، لكي أتعلّم ألّا أقاومها، ولكي أتعلّم كيف أحبّ العالم، ولا أعود إلى مقارنته بعالم موهوم مرغوب، ولا برؤية وهمية للكمال، بل أن أتركه كما هو: أن أحبّه وأفرح بانتمائي إليه.
هذه يا غوفندا بعض الأفكار التي تجول في رأسي.
(ص 120–121)
• ثم جلس في الطريق المغبر وراح يُصغي. كان يُصغي إلى قلبه الذي كان يخفق منهكًا وحزينًا وينتظر صوتًا. ظل جاثمًا وهو يُصغي ساعات عدة، فلم يعد يرى رؤى، وغرق في الخواء، فاستسلم لغرقه دون أن يرى مخرجًا. وحين أحسّ بالجرح ينبض مؤلمًا، همس بكلمة «أوم» وملأ نفسه بـ«أوم». وكان الرهبان قد رأوه، وفيما كان جاثمًا منذ ساعات والغبار يتراكم على شعره الأشيب، توجّه إليه أحدهم ووضع أمامه موزتين.
(ص 106)
لكن العجوز لم يره.
• ثم أيقظته من غشيته يدٌ لمست كتفه. فعرف تلك اللمسة اللطيفة الناعمة واستفاق. نهض وحيا فازوديفا الذي لحق به. وحين رأى وجه فازوديفا الوديع، وتطلّع إلى تجاعيده الضاحكة وإلى عينيه اللامعتين، ابتسم بدوره. وعندها رأى الموزتين، فأخذهما وأعطى واحدة إلى المراكبي وأكل الأخرى. ثم ذهب صامتًا مع فازوديفا عبر الغابة من جديد عائدين إلى المعبر. ولم يتحدث أيٌّ منهما عمّا حدث، ولم يذكرا اسم الولد، ولم يتكلّما عن هربه أو عن الجرح. ثم توجّه سِدْهارتا إلى فراشه في الكوخ، وعندما ذهب فازوديفا ليقدّم له شيئًا من حليب جوز الهند وجده نائمًا.
(ص 107)
• وهو بعد في سنّ مبكرة، رأى سِدْهارتا أن عليه الخروج ممّا رُسم له. لم يُقنعه أن يتبع خطى أبيه الثري والمنتمي إلى سلالة مؤمني البراهما. اجتذبته حياة السامانية، حيث يقضي السالك حياته متسوّلًا ومتنقّلًا على غير هدى بثيابه البالية الممزّقة. وقد تبعه في ذلك صديقه جوفيندا، الدائب على التمثّل به حتى بات مثل ظلّه. عاش الصديقان تجربتهما السامانية معًا لمدة سنتين، كانا في أثنائها يشعران بسعادة انتمائهما لها. لكنهما لم يلبثا أن غادراها بعد التقائهما بالبوذا جوتاما، الجليل والمهيب والممتلئ حكمة.
لكن سِدْهارتا، دون صديقه جوفيندا، لم يشأ البقاء هناك. فما كان يبحث عنه لا تقدّمه التعاليم، بل التجربة الحياتية والروحية. ما كان يبحث عنه هو معنى الأنا وجوهرها: «لغز أنني أحيا، وأنني منفصل ومختلف عن الآخرين»، وهذا ما لا يتحقّق بالتعاليم التي ترى البشر سلالة واحدة.
(عن مقالة لحسن داوود – القدس العربي اللندنية)
ملخص رواية «سِدْهارتا» (127 صفحة) في سبع فقرات
خفايا العالم البوذي
• (ص 92)
ومرة أخرى حين فاض النهر في فصل الأمطار وراح يهدر، قال سِدْهارتا: أليس صحيحًا يا صديقي أن للنهر أصواتًا عديدة جدًا؟ أليس له صوت المالك والمحارب والثور وطائر الليل والمرأة الحبلى والرجل المتنهّد، إضافة إلى آلاف الأصوات الأخرى؟ صحيح، إن أصوات المخلوقات الحية كلها موجودة في صوته.
• (ص 83)
وسأل نفسه: من أين جاءت؟ وما سبب هذا الشعور بالسعادة؟ هل يبرز من نومي العميق الطويل الذي أفادني كثيرًا؟ أم من كلمة «أوم» التي لفظتها؟ أم لأني هربت، ولأنني حرّ من جديد وأنا واقف مثل الطفل تحت السماء؟ فكم كرهت عالم الغنى والحفلات الصاخبة واللهو… لقد وضعت الآن نهاية لاحتقار الذات، ولتلك الحياة الفارغة البلهاء.
• (ص 38–39)
تطلّع حوله وكأنه يرى الدنيا للمرة الأولى. كان العالم جميلًا وغريبًا وغامضًا: هنا أزرق، وهنا أصفر، وهنا أخضر؛ هنا سماء ونهر وغابات وجبال. وفي وسطها هو، سِدْهارتا، المستيقظ في الطريق إلى نفسه. لم يعد العالم سحر مارا ولا شرور مايا، ولم يعد خاليًا من المعنى. فالمعنى والحقيقة ليسا متخفّيين وراء الأشياء، بل هما فيها، وفيها كلها.
• (ص 25)
وقف قرب السامانا بذهن متوثّب، ثم تطلّع إلى عيني العجوز فثبّته بنظرته، ثم نوّمه مغناطيسيًا، وأخرسه وقهر إرادته، وبعدها أمره بصمت أن يلبي له رغباته. لقد استطاعت أفكار سِدْهارتا أن تقهر أفكار السامانا. والحقيقة أنه لو بقيت هناك لتعلّمت بسرعة أن تمشي على الماء.
• (ص 18)
كان سِدْهارتا يجلس منتصبًا وقد تعلّم أن يحبس أنفاسه، وأن يكتفي بالقليل من التنفّس، ثم أن يوقف نفسه. ثم تعلّم وهو يتنفّس من الداخل أن يهدّئ خفقات قلبه، فيقلّلها إلى الحد الأدنى.
• (ص 19–18)
وبتوجيه من أكبر السامانا مارس سِدْهارتا إنكار الذات مع التأمل. طار مالك الحزين فوق غابة الخيزران، فأدخل سِدْهارتا مالك الحزين في روحه، وطار معه فوق الغابة والجبال. صار حيوانًا، وصار جثة، وحجرًا، وخشبًا، وماءً. وفي كل مرة كان يستيقظ من جديد، ليحسّ بالعطش ويقهر العطش، ثم يحسّ بعطش جديد.
• (ص 19)
تعلّم سِدْهارتا الكثير من السامانا، وتعلّم طرقًا عديدة لإفناء النفس. ارتحل في طريق إنكار الذات عبر الألم والجوع والظمأ والتعب، وعبر التأمل وإفراغ الذهن من الصور. أضاع نفسه ألف مرة، وفي النهاية كان يقيم أيامًا في اللاكينونة. لكن العودة كانت حتمية، فيعود نفسًا، ويعود سِدْهارتا، ويشعر مرة أخرى بعذاب دورة الحياة الشاقّة.
الكاتب مهند النابلسي