من الجوهر إلى المعنى: الأدب حين ينطق باسم الذات المنسية للكاتب عماد خالد رحمة

يبدو أنّ أكثر الانحيازات ضعفاً وخطورةً وركاكة في المجال الثقافي والمعرفي العربي قد نشأت في أن الأدب الحقيقي، العميق، الفلسفي، لا يُكتب إلا من زاوية “الرجل المفكر”، بينما تُختزل كتابة المرأة في العاطفة، أو الجسد، أو السيرة العاطفية المحكومة بالغياب أو الفقد أو الانتظار.

ففي فضاء الكتابة الممتد بين التجربة والمعنى، وبين الذات والعالم، ظلّ الأدب – على مرّ القرون – يرزح تحت هيمنة تصوّر ثقافي ونقدي يرى في الرجل مرجع المعنى، وفي المرأة موضوعه أو هامشه. وكأنّ المرأة حين تكتب، لا تُنتج أدباًً ونصوصاً إبداعية، بل تبوح بما تملكه.
وكأنّ القلم في يدها لا يكتب العالم، والحياة، بل يرسم حدود أنوثتها. وكأنّ “الأدب النسائي” ليس جنساً أدبياً، بل إشارة حمراء تُسبق باسمها عند كل قراءة.

لكن هذا الحيف وهذا الظلم في التلقي لا يكشف عن طبيعة النص، بل عن البنية الذكورية للثقافة، حيث يتحول الرجل – كما تقول سيمون دو بوفوار – إلى ممثل “الإنسانية”، بينما تُحدّد المرأة دوماً بوصفها “الآخر”، لا من حيث كونها مختلفاً إنسانياً، بل بوصفها هوية منقوصة، مضادة، تابعة، ومقموعة.

الجسد كأداةٍ للخلق، لا موضوعٍ للمراقبة

عبر تاريخ الأدب، كانت المرأة تُمنع من التعبير عن جسدها، لا لأنه غير جدير بالقول، بل لأنه ميدانٌ سياسيٌّ تتحكّم به السلطة الأبوية.
من هنا يصبح الجسد في أعمال كاتبات مثل الدكتورة نوال السعداوي وحنان الشيخ ليس مساحة للبوح الشخصي، بل حقلًا للمقاومة والتفكيك.
تقول نوال السعداوي في المرأة والجنس:

“لقد كنتُ أنزف من داخلي، ليس دماً، بل كلمات مرفوضة، كلمات محرّمة.”

الجسد هنا ليس موضوعاً روائياً، بل وسيطٌ لغويٌّ ووجوديّ، يُحفظ فيه الأثر والانتهاك، وتُقاوَم به أسطورة العار التي علّقتها الثقافة الذكورية على المرأة.

أما الكاتبة والفيلسوفة والناقدة الأدبية الفرنسية هيلين إيف سيكسوس، إضافة إلى كونها أستاذة في البلاغة، فدعت النساء إلى “الكتابة بالجسد”، لا بمعنى السرد الجسدي الصرف، بل بمعنى إعادة تشكيل اللغة نفسها.
إنّ الجسد – بوصفه اللغة الأولى – حُرِمَ من التعبير، وتمّت كتابته من الخارج، من قِبَل سلطات أُحادية. وآن أوان أن تكتبه المرأة من داخلها، لا كموضوع رغبة، بل كينونة تُنتج المعنى.

ليس “أدبًا نسائيًا”، بل أدبٌ يُعيد تعريف الإنسان

حين كتبت الفيلسوفة الوجودية سيمون دو بوفوار “الجنس الآخر”، لم تكن تسرد تجربة فردية، بل كانت تُعيد تعريف الوجود الإنساني من منظورٍ تمّ إسقاطه عمداً من سجلّ الفلسفة.
جملتها الشهيرة:

“لا يُولد المرء امرأة، بل يُصبح كذلك”

ليست دعوة للتشكيك بالبيولوجيا، بل إعلاناً حاسماً بأن الهوية ليست قدراً، بل بناءً اجتماعياً ثقافياً مفروضاً.

وعلى ذات المسار، ترفض الكاتبة والروائية اللبنانية حنان الشيخ أن تُختزل في خانة الكاتبة النسوية.
تكتب لا عن المرأة فقط، بل عن الإنسان، من موقع امرأة.
بطلتها “زهرة” في رواية حكاية زهرة ليست ضحية ولا رمزًا، بل شخصية تعيش الحرب والاغتصاب والرفض والرغبة، بكل تعقيداتها الوجودية.
تقول:

“حاولت أن أفكر والصفعات تنهال على وجهي… نظرات أمي وصوتها ينهالان على وجهي… خوفاً من أن أقول الحقيقة.”

فما الذي يمنح الأدب شرعيته؟
هل هو الموضوع؟ أم القدرة على مساءلته من عمق التجربة الإنسانية؟

اختزال الكاتبة في جسدها: العُرف النقدي المغلوط

يُكتب كثيرٌ من “الأدب الرجالي” عن الحب، والرغبة، والمرأة. ومع ذلك، لا يُسأل الكاتب عن جدية موضوعه، بل يُمنح افتراضًا مسبقًا بالعمق والرمزية.
أما الكاتبة، فإن كتبت عن الرجل، قيل إنها تدور في حلقة العاطفة.
وإن كتبت عن الجسد، قيل إنها تفتقر للمعنى.
وإن كتبت عن الأفكار، اتُّهمت بتقليد الرجال.

كأنّ المرأة في فضاء الكتابة لا تملك إلا خيارين:
إما أن تُرضي الخيال الذكوري، أو تُتَّهم بالخروج عن النص.

لكن الحقيقة أن الأدب، كل أدب، رجاليًا كان أو نسائيًا، لا يُقاس بموضوعه، بل بطريقة معالجته.
وما يُحسب للكاتبات لا هو العاطفة ولا الجرأة، بل الشجاعة في مساءلة المواضيع من موقع تمّت مصادرته لقرون، وفي تحويل التجربة المقموعَة إلى معنى متعالي.

الكتابة من الهوامش: الأدب حين يسترد الكلام

من الكاتبة الأمريكية أورسولا لو غوين، التي أعادت تشكيل السرد من منظور لا ذكوري، إلى الروائية التركية إليف شافاق، التي تكتب من تقاطعات الصمت والدين والهوية، هناك طيفٌ هائل من الكاتبات اللواتي كتبن الأدب، لا “أدب المرأة”.
كتبن عن الذات والعالم، عن الحرب والسلام، عن القهر والتحرر، عن الحب والسلطة، لا كاعتراف هش، بل كتأويلٍ للوجود.

والكاتبة، في هذا السياق، لا تسعى إلى إنكار أنوثتها، ولا إلى التمرّد الصاخب عليها، بل إلى إعادة تعريفها كجزء لا يتجزأ من الكينونة البشرية، والفاعلية الفكرية.

في الختام

الأدب العظيم لا يُكتب من الجسد فقط، ولا من الفكرة فقط، بل يُكتب من التوتر الإبداعي بينهما.
وما فعله مشروع الكتابة النسائية هو إعادة الاعتبار لهذا التوتر، وإعادة تعريف سؤال:

“من يحق له أن يكتب؟”

إنه الأدب حين يُكتب من مكان لم يكن مسموحاً له بالكلام.
الأدب حين يسترد صوته ويمنحه للذين لم يُسمعوا.
الأدب حين يتحوّل من سلطة التمثيل إلى مسؤولية التأويل.

الكاتب عماد خالد رحمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *