كلما جلستُ في مقهى الشهبندر، أو مررتُ بأزقة المتنبي، يراودني سؤال لا يكفّ عن الإلحاح:
لمن نكتب؟
وهل يحتاج هذا التعب اليومي، بوجوهه المتعبة ولغته الخشنة، إلى شهادة “عالمية” كي يُعترف بإنسانيته؟
الإشكال لا يكمن في الترجمة أو الجوائز بحد ذاتها، بل في اللحظة التي يتحول فيها “الوصول إلى العالم” إلى هاجس يسبق الكتابة. عندها يبدأ النص بتخفيف صوته، وتنعيم جروحه، وكأن الكاتب يكتب بعين قارئ متخيَّل لا من قلب تجربته. في هذه اللحظة، لا يفقد النص صدقه فقط، بل يفقد قدرته على التأثير.
القارئ، أينما كان، لا يبحث عن أفكار كبرى معلبة، بل عن حياة تُلمس. لهذا ظل نجيب محفوظ حاضراً في ذاكرة العالم، لا لأنه شرح القاهرة، بل لأنه ترك حواريها تتكلم بلغتها، وجعل القارئ يرى نفسه في “زقاق” محدد الملامح. وبالطريقة ذاتها، كتب فيودور دوستويفسكي من عمق بطرسبورغ الباردة، غارقاً في الفقر والذنب والأسئلة الأخلاقية، فبدت رواياته مفهومة في ثقافات بعيدة، لأنها انطلقت من تجربة إنسانية ملموسة لا من تنظير مجرد.
التفاصيل المحلية ليست عائقاً، بل هي الجسر الحقيقي للفهم. مظفر النواب لم يخفف حدّة لغته ولا غضبه، ومع ذلك عبر شعره الحدود لأنه كتب من قلب الجرح. وفي سياق مختلف، فعل غابرييل غارسيا ماركيز الأمر نفسه حين أبقى “ماكوندو” كما هي، بذاكرتها وأساطيرها ولهجتها، فصارت قرية يعرفها قرّاء لم يزوروا كولومبيا قط.
الأدب الذي يبقى لا يُكتب بعقلية التوازن المصطنع، بل بشجاعة الانحياز. صنع الله إبراهيم لم يهادن واقعه ولا خفف قسوته، فخرج نصه حاداً، محدود المكان، واسع الدلالة. وعلى الضفة الأخرى، حوّل ويليام فوكنر جنوب الولايات المتحدة، بكل تناقضاته ولهجاته وجراحه التاريخية، إلى عالم روائي قرأه الناس لأنه كان شديد الخصوصية، لا لأنه حاول أن يكون “كونياً” بالتصريح.
حين نكتب لأنفسنا أولاً، لا نغلق الباب أمام القارئ البعيد، بل نمنحه فرصة حقيقية للدخول. فالإنسان يتعرف على الآخر من خلال تفاصيله، لا من خلال شعاراته. النص الذي يجرؤ على أن يكون ابن بيئته، ولغته، وذاكرته، هو الأقدر على تجاوز هذه الحدود ذاتها.
العالم لا يبدأ من المنصات الكبرى، بل من البيت، من الزقاق، من اللغة التي نقول بها وجعنا بلا تزيين. ومن هناك فقط، يمكن للكلمات أن تسافر، لا بوصفها سلعة قابلة للتصدير، بل بوصفها تجربة إنسانية صادقة.
الكاتب ماجد القيسي