نحو استجداد نقد أخلاقي للكاتبة ماجدة بوكلوة

على سبيل التلقّي الموضوعي والسليم للنظرية النقدية، وعلى سبيل صناعتها – ربما – وعلى سبيل التأكيد على نزاهة النقّاد وتبرئة طروحاتهم من حماس التأليف واندفاع الرغبة في التميّز، ومن “همجية” السعي خلف الفُرق؛
أفلا يجوز، على سبيل ذلك كلّه، مساءلة الناقد مساءلةً أخلاقية تمامًا كما يُفعل اليوم مع الكاتب؟

أليس من العدل إذًا أن يخضع الناقد لمحكمة القيم، وأن يُسأل لا فقط عن صواب أدواته، بل عن نيّته، ومرجعيته، وموقعه من الأثر الذي يُصدر فيه حكمه؟
ألا يُفترض أن نطالبه، كما نطالب المبدع، بالمسؤولية تجاه المتلقّي، والوعي بما قد تُحدثه كلمته من تأثير يستدعي تغييرًا ما؟

أفلا يصير لزامًا إذّاك أن نقرأ النقد لا فقط بوصفه خطابًا تقييميًا، بل بوصفه خطابًا فاعلًا له رهاناته وسياقاته الأخلاقية، لا يقلّ في ذلك عن الأدب ذاته؟
بل بوصفه مسألة شرفٍ وأخلاقٍ تخضع لمحكمة الضمير، أنت أيها الناقد، الذي حمّلت نفسك مسؤولية مهنة الأنبياء والمُرسلين بتبليغك رسالة نجهل جميعًا فحواها، لكن من فرط إعجابنا ببنات قلمك سلّمنا بما كتبت دون نقاش، بل دون أن يخطر ببالنا يومًا أننا ربما كنّا ضحيةً لفهمك، أو لانتقائيتك، أو لمشروع تجهله أنت في ذاتك!

ألا يحقّ لنا، على سبيل استجداد النهضة والتجرؤ على الفهم، أن نستأنف النظر في فحوى النظريات النقدية التي صُدّرت إلينا في زمنٍ كانت فيه مرآة العربي مغبّشةً بغبش الانبهار؟
ألا يحقّ لنا، على سبيل الإنصاف، أن نفتح ملفّ النقد العربي بكل ما فيه من يقينياتٍ موروثة ونصوصٍ محاطة بهالة الخشوع، وأن نطرح دون وجل سؤالًا صادمًا:
من منح الناقد تلك العصمة الرمزية؟ ومن سوّغ له سلطة تفوق سلطة النص ذاته؟

أليس هو أيضًا ابن زمنه، وابن انفعالاته، وأحيانًا ابن مصالحه الضيّقة وأمراضه التي تسكنه كما تسكن غيره؟
أفلا يجوز، ونحن نفتّش عن صوتنا المطموس في سراديب التبعية، أن نحاسب من كان يُفترض به أن يكون حارس المعنى، فإذا به في مراتٍ كثيرةٍ حارس بوّابة الانبهار، يُدخل ما يشاء ويُقصي ما لا يروق له، باسم الحداثة حينًا، وباسم المنهج حينًا، وباسم الموضوعية التي لا يعرفها إلا هو في كل حين؟

أفلا يكون من الإنصاف أن نُخلخل هذا العرش الرمزي الذي تربّع عليه الناقد لعقودٍ دون أن يُطالبه أحد، لا بسيرةٍ ذاتية، ولا بشفافيةٍ مرجعية، ولا حتى باعتذارٍ عن أثرٍ ربما شوّه نصًا، أو أجهض مشروعًا، أو غيّب مبدعًا لحساب تلميذه أو رفيقه في المقهى؟

ألا يحقّ لنا، على سبيل التمرّد الخلّاق، أن نستردّ حقّنا في مساءلة من ظنّ نفسه منزّهًا عن المساءلة؟
وأن نعيد ترتيب العلاقة بين الناقد والقارئ، لا بوصف الأول قاضيًا والثاني متهمًا، بل بوصفهما شريكين في كشف المعنى لا في فرضه؟

أفلا يجوز، ونحن نستجدي نهضةً نقديةً عربيةً أصيلة، أن نقول: كفى؟
كفى نقلًا عن نقّادٍ لم يعرفونا، ولا قرأونا، ولا آمنوا بنا.
كفى انبهارًا بنظرياتٍ نشأت في تربةٍ غير تربتنا، وعكست قلقًا غير قلقنا، وهمًّا غير همّنا.

أليس من الحريّ بنا أن نُطالب بنقدٍ صادق، يعلن تحيّزه، يُفصح عن مكانه من العالم، ويعتذر إن لزم الأمر، ويرتجف كما يرتجف المبدع أمام قارئه؟
أن نحرّر النقد من سلطة التقديس، ونردّه إلى موقعه الطبيعي بوصفه فعلًا إنسانويًا قابلاً للخطأ، منخرطًا في سياقاتٍ أيديولوجيةٍ وتاريخيةٍ تؤثر فيه كما تؤثر في غيره؟

أفلا يجدر بنا إذّاك أن نُخضع الخطاب النقدي العربي – المستورد والمحلّي معًا – لمبدأ المساءلة الحضارية، لا بهدف الهدم، بل بهدف التجاوز؟
أليس من الإنصاف، ونحن نروم نهضةً فكريةً حقيقية، أن نتوقّف عن استهلاك النقد بوصفه جاهزًا ومفروضًا، وأن نبدأ إنتاجه بوصفه فعلًا إبداعيًا مرتبطًا بتجربتنا وتاريخنا وتطلّعاتنا نحن؟

ثم، ما الذي يمنعنا أن نعلن للناقد، بكل احترامٍ وحزم، أن سلطته لم تعد مطلقة، وأن قارئ اليوم وقد تعلّم أن يقرأ، لا يقبل أن يكون ضحيةً لمن يُملي عليه كيف يفهم الأدب والفكر والفن؟

أليس من حقّ القارئ أن يُطالب الناقد – كما يُطالب السياسي والمفكّر – بالشفافية، وبالانحياز الصريح أو بالحذر الواعي، لا بالتخفّي خلف قناع “الموضوعية” الذي كثيرًا ما خدم الأهواء أكثر مما خدم الحقيقة؟

ألا يحقّ لنا، من موقع الحرّية الفكرية، أن نقول إن النقد الذي لا يُنتج وعيًا، ولا يصنع محاورًا، ولا يحترم متلقيه، إنما هو نقدٌ يمارس سلطةً رمزية تُعيد إنتاج التبعية وتُكرّس الهرمية في الثقافة، بدلاً من أن تفتح أفق الحوار والمساءلة؟

أفلا يصير، في ضوء هذا كلّه، من الواجب الأخلاقي علينا أن نمارس نقد النقد، لا من باب الترف الأكاديمي، بل من باب الوفاء لرسالة الفكر، ومن باب الحلم بنقدٍ عربيّ لا يخجل من ذاته، ولا يهرب من مرآته، بل يواجهها بشجاعة لينـهض بها ومعها إلى أفقٍ جديد؟

نعم، لقد آن الأوان أن نقرأ النقد لا كحقائق مطلقة، بل كخطابٍ مفتوحٍ لا يدّعي امتلاك المعنى بل يطلبه بتواضع.
آن الأوان أن نحاسب الناقد، لا انتقامًا، بل تطهيرًا للثقافة من شوائب السلطة.
آن الأوان أن نُعيد للمتلقّي مكانته، وأن نكفّ عن ترديد ما كُتب على أنه يقين، ونستأنف الفهم.

فربّما – فقط ربّما – في تلك الجرأة، تكمن بدايات النهضة.

الكاتبة ماجدة بوكلوة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *