نزاع ل د. ندى إبراهيم مأمون

ركضت مسرعة بين الركام، وهي تنزف دمًا يتساقط، ملوثًا الأرض تحتها.
عيناها تطلق نظرات خوف، غير مستوعبة لما يدور حولها، تتسع حدقاتها كلما سمعت صوت ارتطام، وتتناثر آمالها مع كل دقيقة تمضي.

تخاف أن لا يسعفها القدر أيضًا هذه المرة؛ في كل كارثة لها قتيل، وروح مغادرة.
هذه المرة ستتمسك به، لن يغادرها، لن ينازعها عليه القدر.
الرحمة، يا رب…

هو آخر روح بقيت معها، يداه الصغيرة دامية، وجروحه غائرة، وغبار الركام يلف جسده الصغير، ويحجب جمال عينيه عنها.
ما زال يتنفس، تشعر بأنفاسه على كتفها، أنفاس متقطعة، بطيئة، لكنها موجودة.

ركضت تجاه جموع البشر الواقفين بذهول على بقعة أرض فسيحة، وجوههم تعكس أهوالًا وآمالًا دثرها الركام منذ دقائق معدودة.
مادت الأرض بهم، فأخرجت الأثقال، وأنتجت الأحزان.
رأت في الوجوه انقلاب الحياة الحاد، الذي يفضح ضعف البشر؛ لا أحد منهم استطاع إسكات الأرض عن ثورتها.

تفحصت وجوههم الرمادية، لا بد أن يكون بين هؤلاء البائسين طبيب.
الموت لن يقترب هذه المرة، لقد وعدت صغيرها.
لكنها تعلم أن وعودها دومًا خاسرة؛ هي لا تفي بالوعود لأحبابها عندما ينازعها عليهم الموت.
يا الله… يا الله… يا رب.

برودة جسد الصغير تقلقها، ودمها الذي اختلط بدمه يفزعها.
تمنت لو لم يتناثر الدم على الأرض ذات الشقوق، لو أنها توصل وريدها بوريده، فتنقل له دمها وروحها، ولتسقط بعدها فداءً للموت.

وصلت عند الجموع المكلومة، وضعت صغيرها أمامهم، وهي تنثر الدمع والدم.
صرخت:

“– أرجوكم، أسعفونا… ارحمونا.”

تجمع الناس حولها…
وجه الصبي أزرق، الروح تحاول الهرب، والمسعفون في الجوار، يهرولون تجاهها.

جلست على الأرض منهكة، وهي تنظر إليه… عجينة غضة بين أيديهم، لا صوت لها.
جمعت أطراف ثوبها المشقوق، تربطه وتستر نفسها… وعيناها تشق بعد السماء، تحاول أن لا ترى فيها بابًا مفتوحًا، يسحب الأرواح.

تنبهت على صوت المسعف، وهو يربّت على كتفها:

“– سيدتي، الحمد لله، لقد أنقذناه. نحتاج فقط إلى نقله بأقصى سرعة إلى المشفى.”

نظرت إليه غير مصدقة، الزمن توقف عند تلك اللحظة.
أسرعت إلى تقبيل يده عشرات القبلات، بكت في حرقة، بكاء منتصر.

قاومت جسدها المنهك، وركضت إلى سيارة الإسعاف.
لم تتبين جسد صغيرها بين الأجهزة والأنابيب الطبية، لكنها تبينت روحه التي بقيت معها، ولم ترحل إلى السماء.

سيارة الإسعاف تسير مسرعة، تطلق صفيرًا حادًا؛ بدا لها وكأنه زغرودة فرح وابتهاج.
القدر يهديها أخيرًا روحًا، ولا ينازعها عليها.

مسحت على جبين صغيرها، وتمتمت ببضع آيات كريمة، تقرأها حماية لروحه وروحها…
ما زال في شقّ الأرض، حياة.

فتح المسعف باب السيارة عند بوابة المشفى.
الأضواء الساطعة تتعب عينيها، حشود كثيرة، في صفوف طويلة، تطلب العلاج.
والأمل عند البوابة يحوم حولها، يذكرها بوعد، ينتظر ردها.

 

 د. ندى مأمون إبراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *