نصف لـ د. ندى مأمون إبراهيم

بينما انشغلتْ أمام المرآة بنتف بضع شعيرات بيضاء ظهرت على مقدمة رأسها، كنت منشغلًا بلصق وتثبيت كعب حذائي.

نظرت إليّ مستفهمة ومتهكمة:
«كم ثمن هذا الذي في يدك؟!»
أجبتها:
«ربما ثلاثة باوند.»
قالت:
«ألقِ هذه القمامة، لست بحاجة إليها.»
سألتها:
«وهل أسير حافيًا؟!»
صرخت:
«وهل أخرج بلا صبغ شعري؟!»
قلت لها:
«اصبري.»
ردّت بعجرفة انطوت على كثير من الوقاحة:
«وهل يجدي الصبر مع تعيس مثلك؟!»

كانت تلك وقاحة جدّتها الاسكتلندية “ماري” التي أعرفها.

رغبت في إلقاء الحذاء صوب وجهها كي أسكت قهقهاتها المستفزّة، لكني تراجعت.
لم تكن هذه المرأة قبلاً كما هي الآن؛ كان شعرها كستنائيًا بلا شيب، وخدودها حمراء، وجسدها أقرب إلى الامتلاء.

تحطّمت الحياة أمامها. تبعتْ قدرها الذي رماها بين يدي رجلٍ حافٍ يرتق حذاءه في الشهر مرّتين.

فررتُ إلى بلادها عبر بحر المانش مغاضبًا، وألقى بي قاربٌ مطاطي متهالك على الشاطئ، مع أسماك السردين وأربعين باحثًا عن الحياة.

لفظتني أرض لا تعرف سوى مهاترات الساسة والحروب.
لم أملك وقتها مالًا ولا خطة، بل كنت فأرًا لم يجد قطعة الجبن، ففرّ من المصيدة قبل أن تطبق عليه.

قابلتني هي في حانة صغيرة عند نهر الكلايد في غلاسكو.
قدّمت لي فطائر الكاسترد والشاي الإنجليزي، وهي تصف الزنابق على طاولتي، وفي قلبي كانت تنطلق العصافير.

عملتُ وقتها جاهدًا على تغطية ساقي المليئة بالقروح.
لم أُرِد لها أن ترى القبح في جسد لاجئٍ يتسوّل الأرض والحب والفطائر.

طمعتُ في أنثى تعوّضني، ولم أكن أريد منها نبش أوراقي كثيرًا؛ فسارعتُ في سقيها خمر الحب حتى تسكر به ولا تتسرّب من بين يدي.

«هذا صعلوك مفلس! كيف لكِ الارتباط به؟!»
كان هذا ردّ “ماري” العجوز، وهي تغلق باب الحانة في وجهي وتنظر إليها شزرًا لتحذيرها من مواعدتي مجددًا.
لكني تجاوزت حكم العجوز؛ لا بدّ لي من عِوَض!

أعترف أني لم أذب عشقًا، بل رأيتُها فرصة.
وهي أيضًا لم تكن ملاكًا كاملًا؛ بل ظنّت أن صاحب القروح سينقذها من سلطة “ماري”.

هربتْ معي خلسة إلى الريف الإنجليزي، وفي جيبها بضع بنسات لا تكفي سوى لأيام قليلة.
تمسّكت بذراعي ذات العضلات المعروقة، وتحسّست لحيتي الكثيفة لتطمئنّ على المستقبل.

لم تعرف أبدًا أن ذلك العضل لم ينمُ إلا خلف قضبان السجون، وسنوات شقاء مثقلة بتكسير الصخور الجيرية سخرة.

وعندما فررتُ من البلاد، لم أكن سوى نصف إنسان.
والنصف الذي فرّ، كان نصفي المهزوم.

رأتْ ذات يوم آثار التقاطعات السخيفة للسياط على ظهري، وسألتني:
«ما هذا؟!»
أجبتها:
«إنها عادة في بلادي… الناس هناك تُوسَم كما تُوسَم المواشي. وشوم تُرسم على أجسادنا، يعتبرونها هوية وجواز عبور.»
ولا أدري، أصدّقتني؟ أم أن تأثير خمر الحب لم يفقد مفعوله بعد؟

لكني قلت بعض الحقيقة؛ لولا وجود ذلك الوشم على جلدي، ما دخلتُ بلادها، ولا تسوّلتُ حق اللجوء عند حكومتها.

ومضت بي الأيام وبها.
وترهّلت ذراعي التي كنت أفتنها بها، وماتت العجوز “ماري”، لكن المتعجرفة أصرت ألا أقرأ صلوات الرحمة على قبرها:
«فلتحرقها السموات!»

فقد تبرّعت بحانتها للجمعيات النسوية، ونسيت أمر حفيدتها، ولم تَعُدها من النساء!

وبقيتُ في مواجهة الحياة… مع العوز، ومع لسان سليط صار يشبه لسان جدّتها.

لم أُدرك حجم الخسائر والانهزامية التي تراكمت داخلي رغم بُعد المسافة عن أرضي.
ظننت أن السياط تطبع وشومها على الجلد فقط؛ لكنها اخترقت النفس، وخلقت جبانًا انتهازيًّا لا يُكترث.

أردتُها أن تحميني، وأن تمنحني نفسها، وأرضها، وحانتها، وجوازًا يعبر القارات.
لكنني لم أحظَ إلا بمدلّلة حالمة، رأت في ذراعي رجولة…
ذراعٌ منتفخة تضخّمت في السجون.

وفي كلّ ليلةٍ تطوي فيها نفسها بعيدًا عني، أرى هزيمتي على الأرض الجديدة.

أنا لا أصلح أن أكون شيئًا على أيّ أرض.
هل تقبل الحكومات نصف إنسان؟!

وضعتُ الحذاء جانبًا، وفركت الصمغ اللزج أزيحه عن أصابعي.
تقدّمتُ منها، أمسكتها، ونتفتُ تلك الشعرة البيضاء التي أشعلت غضبها.

ثبّتُّ نظري على عينيها، محاولًا استدعاء خمر الحب القديم كي أسكرها به… وسألتها:
«هل ندمتِ يومًا على فراركِ معي؟!»

أشاحت بوجهها، وأجابت بقرف:
«عد إلى بلادك… لستُ بحاجة إليك.»

أزاحتني عن طريقها، وأفلتت كتفيها من بين يدي…
وتركتني واقفًا أطالع انعكاس صورتي كاملًا أمام المرآة المشروخة.

د. ندى مأمون إبراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *