نور والكلمات التي لا تُقهر قصة قصيرة –  للكاتب ماجد القيسي

تحت ضوء المصباح الخافت، كانت أصابع نور تتلمس صفحات كتبها بلهفة. في غرفتها المتواضعة في الحي الشعبي، لم يكن حلمها بأن تصبح طبيبة مجرد أمنية، بل كان قدراً تسعى إليه بكل جوارحها. كانت تردد:
“سأعود طبيبة هنا، لأعالج كل مريض لا يجد قوت يومه.”

عندما أعلنت نتائج البكالوريا، كانت نور الأولى على المنطقة. لكن فرحة العائلة لم تدم طويلاً؛ غيرة قريبتها “فضيلة” من نجاحها وخطبتها القادمة دفعتها إلى مشعوذة في الحي.

مع بداية الفصل الجامعي، تحول حلم نور إلى كابوس. أصبحت الكتب تبدو وكأنها جدران عالية، والمحاضرات كأنها طقوس غامضة. آلام متنقلة في جسدها، وهمسات في أذنيها تقول:
“اتركي الدراسة، أنتِ فاشلة.”

كانت تجلس في القاعة وكأنها في متاهة مظلمة. تنقلت العائلة بين الأطباء، ثم وقعت في براثن المشعوذين الذين طلبوا أموالاً طائلة وذبائح غريبة. لكن نور رفضت الاستسلام. تذكرت جدتها وهي تقول:
“القرآن حصن حصين.”

ذهبت إلى الشيخ عبد الرحمن، العالم الموثوق. أعطاها مصحفاً صغيراً وقال:
“هذا سلاحك، ولا تيأسي من رحمة الله.”

خاضت نور معركتين متوازيتين: في النهار تجلس في المحاضرات رغم الألم، وفي الليل تمسك المصحف وتدعو. كانت تراجع دروسها بين آيات القرآن، كأنها تبني جسراً بين الإيمان والعلم.

ذات ليلة، بينما كانت تقرأ سورة البقرة، شعرت بثقل يزول عن صدرها. كشفت العائلة عن حزمة صغيرة مدفونة تحت عتبة الباب، محشوة بأوراق غريبة وشعر، فأحرقوها جميعاً.

لم تكن تلك النهاية، بل البداية. تخرجت نور بتفوق، وفي عيادتها المتواضعة في الحي نفسه، علقت لوحة صغيرة تقول:
“الإيمان والعلم شفاء.”
كانت تقدم العلاج الجسدي، وتهمس لمريضها:
“لا تيأس، فربك معك.”

في نهاية يوم حافل، بينما كانت نور تغلق عيادتها، نظرت إلى المصحف الصغير على مكتبها، ثم إلى الصورة التي تعلوه: طفلة صغيرة تدرس تحت ضوء خافت. ابتسمت، معلنة أن الكلمات التي تنزل من السماء أقوى من كل الكلمات المدفونة في الأرض

الكاتب ماجد القيسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *