الهوية على مستوى أبعادها المفاهيمية تمتاز بمعطيات دقيقة للغاية، بمقتضاها يتم تمييز شخص عن آخر، اعتبارًا لكونها تعبّر عن كتلة حمولة تاريخية، عبارة عن مزيج من مقومات جوهرية ذاتية كالماضي، والعادات، والطقوس، والأعراف، فضلًا عن عناصر جينية أخرى شكلت مجتمعة شخصية متميزة مغايرة لنماذج بشرية أخرى.
يقول المفكر المغربي حسن أوريد في كتابه «فخ الهويات»:
“من حق كل منا أن يحمل هويته، ولكن ليس مؤكداً إن أشهر هويته ألا يصطدم بهويات أخرى، وألا تجنح هويته أو تزيغ، كمن يمتطي دابة حروناً، وليس مؤكداً أن تسعفه في تغيير واقع يلظى به ويرزح تحته. ينبغي تصور الهوية كحرف عطف، لا كأداة نفي، كجمع لا كطرح، كإضافة لا كاختزال، في إطار عقد اجتماعي تُصاغ بنوده باستمرار، لأن الهوية ليست قارة، ومن أجل مصير مشترك، من خلال أدوات (هيئات وسيطة، مجتمع مدني) وثقافة حوار، وعمق دراسة تضطلع بها الجامعة.”
الهوية والاختلاف الإنساني
الهوية كمفهوم حديث ليس من اليسير الإحاطة به أو تحديده بدقة، لكونه مرتبطًا بمجموعة من العناصر التي تميز مجتمعًا عن آخر، كاللغة، والعِرق، والعقيدة، والتاريخ، واللون.
فهذه أمور لا يمكن التحكم فيها أو الحسم فيها، لأنها فوق نطاق الإرادة البشرية.
بمعنى آخر، فالهوية هي قبول الاختلاف والاعتراف به كمكون بشري لا ينبغي اعتباره عنصر تمييزٍ يؤدي إلى الشحناء أو البغضاء أو رفض الآخر.
الاختلاف لا يعني أفضلية لون على آخر، أو عِرق على آخر، أو عقيدة على أخرى.
لكل منطقة جغرافية مميزاتها الخاصة التي تختلف عن سواها، على مستوى السلوك، والعادات، والطبائع.
وهذا التمييز ليس سبباً للكراهية أو القطيعة، بل دافعًا للتقارب، والحوار، والتعايش، والتمازج مع الثقافات المغايرة، لا نبذها أو القضاء عليها، كما حدث في حالات تاريخية مأساوية مثل اضطهاد السود في أمريكا، أو اليهود في أوروبا، أو النزعات الشيوعية التي نادت بالخصوصية الثقافية في مواجهة الإمبراطوريات الاستعمارية.
الهوية بين الفكر الغربي والفكر الإسلامي
من المبادئ التي نادت بها الثورة الفرنسية، كقيم كونية، الحرية كما دعا إليها فولتير، والمساواة كما نادى بها جان جاك روسو، إلا أنها لم تعترف بالخصوصية الثقافية للشعوب الأخرى.
وفي مقابل هذا الطرح، ظهر توجه مغاير تمامًا عبّر عنه المفكر الإنجليزي إدموند بورك الذي رأى في الثورة الفرنسية ازدراءً للجوانب الروحية.
كما انتقد الألماني يوهان هيردر (هاردر) هذا التوجه، معتبرًا أن الصورة الفرنسية استهزأت بالتاريخ والثقافة والحضارة. يقول هاردر:
“ليس هناك شخص أو بلد أو شعب أو تاريخ وطني شبيه بآخر، ومن ثم فقيم الحق والجمال والخير ليست سواء.”
وقد تبنّت العديد من الدول الأوروبية لاحقًا هذا النهج الثقافي التفصيلي بدلًا من المبادئ الكونية المطلقة التي رفعتها الثورة الفرنسية.
أما الشريعة الإسلامية، فقد كانت أكثر وضوحًا وحسمًا في هذا المجال، إذ أقرت أن التمايز في البشرية على مستوى العِرق أو اللغة أو اللون أو العقيدة أمر قائم، لكنه لا يُعد أساسًا للتفاضل أو التمييز.
قال تعالى:
“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”
[سورة الحجرات، آية 13]
وقال النبي ﷺ:
“لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى.”
فالاختلاف – وفق النصوص القرآنية والحديث النبوي – لا علاقة له بالخلاف أو العداء، بل هو دعوة للتعارف وبناء جسور إنسانية متبادلة، ومقياس التفاضل الوحيد هو التقوى والإيمان.
الهوية والمواطنة: نحو العيش المشترك
العيش المشترك هو الصيغة المثلى لتجنب النزاعات الناتجة عن تعدد الهويات ذات الطابع البنيوي، وذلك من خلال مفهوم المواطنة، الذي يُعبر عن علاقة قانونية بين الفرد والدولة، تخول له حقوقاً وامتيازات متساوية مع غيره.
لكن المواطنة لا تقتصر على الجانب القانوني فقط، بل تمتد لتكون شعورًا بالانتماء لمجتمع متفاعل مع كل مقوماته الحضارية، مجتمع يعترف بتنوع مكوناته واختلاف ثقافاته، ويمنح الأقليات ما يميزها دون إقصاء.
خاتمة: الهوية موقف لا يُشترى
صفوة القول، إن الهوية هي رفض الركوع، وهي الجوع عن كل فقير، والسجن عن كل ثائر، والدعاء عن كل مظلوم.
علينا أن نبكي ونصرخ ونحترق من أجلها، لا أن نحني ظهورنا لمهازل ارتكبها غيرنا.
علينا أن نُعرّي كل خطاب يحمل في طياته محاولات لتفريغنا من هويتنا أو إبعادنا عنها.
كما قال المفكر إدوارد سعيد:
“الغرب ينظر إلى المسلمين وغيرهم من الشعوب على أنهم قُصّر، لا يملكون العقلانية لفهم ذواتهم، بناءً على أنهم شعوب يحكمها الوجدان والانفعال، بينما أوروبا هي أرض العقل والبرهان.”
وقال الشاعر الكبير محمد الماغوط:
“سأمحو ركبتي بالممحاة،
سآكلهما حتى لا أجثو لعصر أو تيار أو مرحلة.
ثم أنا الذي لم أركع وأنا في الابتدائية أمام جدار من أجل جدول الضرب وأنا على خطأ،
فهل أركع أمام العالم أجمع بعد هذه السنين وأنا على حق؟”
إن العالم العربي هو من تآمر على هويته، لكنه لم ولن يفنى ما دام فيه ثائر واحد.
لقد رقصنا على هويتنا وحاولنا إحراقها، لكنها استعصت على الاحتراق، لأنها مكوّنة من مادة غير قابلة للاحتراق.
فلا ننتظر من أحد أن يرمينا بوردة كي نحافظ عليها،
بل نحافظ عليها لأننا نحن جذورها وسعفها وثمارها.
الكاتب عبد السلام اضريف